ardanlendeelitkufaruessvtr

المصارف التونسية تضيع في متاهة كورونا

 

المصارف التونسية تضيع في متاهة كورونا
رياض بوعزة
تدهور الاعتماد على الأصول والتمويل الخارجي وتقلص دعم البنك المركزي واحتمال حدوث توترات اجتماعية، بصمات سيتركها الوباء على المصارف.
الأمان المالي ضرورة ملحة
حاصرت أزمة كورونا القطاع المصرفي التونسي بشكل أكبر مما هو متوقع، حيث عكست تصنيفات حديثة لوكالات الائتمان العالمية الرئيسية لمجموعة من البنوك المحلية حجم المتاهة التي دخلت فيها، بعد أن أظهرت المؤشرات مدى انحسار نشاط أعمالها نتيجة الإغلاق الاقتصادي.
خلال شهرين من التوقف الكلي للنشاط الاقتصادي بدت ملامح القطاع المصرفي تظهر بشكل واقعي دون محاولات تجميل من الأجهزة الرقابية أو السلطات النقدية أو حتى الحكومة، خاصة وأن تعافيه المؤقت مع نهاية العام الماضي، لم يكن سوى بداية انتفاخ الفقاعة التي فجرتها أزمة الوباء.
ثمة عدة عوامل يمكن أن يؤثر الوباء من خلالها على مصارف العالم وخاصة في الأسواق الناشئة، وتتمثل أساسا في تدهور الاعتماد الشديد على الأصول والتمويل الخارجيَيْن، وكذلك تراجع البنوك المركزية على تقديم الدعم، وأخيرا زيادة احتمال حدوث توترات سياسية أو اجتماعية.
في تقرير حديث حول آفاق المصارف الأفريقية لعام 2020، أعطت وكالة موديز للتصنيف الائتماني نظرة متشائمة لخمسة مصارف تونسية، أحدها حكومي، وهو الشركة التونسية للبنك، فضلا عن كل من بنك الأمان والبنك العربي لتونس والبنك التونسي وبنك تونس العربي الدولي، وهذه المصارف الأربعة تتبع للقطاع الخاص.
الملفت للانتباه أن موديز لم تتطرق إلى مصرفَين آخرين على ملكية الدولة، وهما بي.أتش والبنك الوطني الفلاحي، خاصة وأنهما يمران بمشكلات مالية كبيرة بسبب ارتفاع الديون المسجلة أو المشكوك في استرجاعها منذ سنوات طويلة. ولا توجد إحصائيات رسمية حول وضعيتها الحالية.
هذه الوضعية المالية للمصارف التونسية تعد الأسوأ من طرف وكالة تصنيف عالمية منذ قرابة عشر سنوات، حيث بررت نظرتها بسبب مخاطر القروض عالية الفوائد، حيث يقول خبراء موديز إن تباطؤ النمو وما يعانيه الاقتصاد العالمي من ركود وكذلك ثقل عبء ديون الدولة ستعمل على إبطاء الفرص التجارية لهذه المصارف.
لقد أشارت وزارة المالية في تقرير نشرته هذا الأسبوع حول الميزانية الحالية أن نسبة الدين العام ارتفعت نهاية شهر مارس الماضي، لتصل إلى 83.5 مليار دينار (29 مليار دولار)، وأنها تتوقع أن يصل إلى 32.7 مليار دولار بنهاية هذا العام، وهو ما يشكل 75.1 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.
تشير التقديرات إلى أن حجم القروض المعلقة التي لم يتم سدادها للمصارف منذ بداية العام تمثل نحو 13.4 في المئة من حجم محفظة القروض المصرفية في كامل 2018، وهذا المؤشر يعطي لمحة واضحة عن حجم الأزمة التي يعاني منها القطاع مع استمرار شح السيولة من السوق وتوقف الأنشطة التجارية والاستثمارية.
ومع أن هناك إمكانية بأن تتراجع هذه الديون خلال الفترة المقبلة، غير أنها مقرونة بمدى قيام المسؤولين عن إصلاح النظام المصرفي بمعالجة الإرث القديم لنشاط المؤسسات المالية، من خلال الإسراع بسن تشريعات تتلاءم مع المرحلة حتى تنهض المصارف من كبوتها.
المكتب الدولي للتدقيق المالي والاستشارات الاقتصادية (ديليوت) لديه قناعة، على ما يبدو، بأن أزمة فايروس كورونا ستكون لها تداعيات مفزعة على مستوى المؤشرات التي ستظهر بعد إتمام الحسابات المتعلقة بالنشاط التمويلي للمصارف للنصف الأول من العام الجاري.
ويبدو أن تراجع إيرادات المصارف سيؤثر على أرباحها بسبب الانخفاض المتوقع في الفوائض المالية الموظفة على القروض خاصة وأن البنك المركزي قد أقر في وقت سابق هذا الأسبوع المحافظة على نسبة أسعار الفائدة عند 6.75 في المئة للشهر الثاني على التوالي.
لكن المشكلة لن تقف عند ذلك الحد فقط، فالتوقعات تشير أيضا إلى أن العمولات المتعلقة بعمليات السحب من البنوك أو من الصرافات الآلية ستنحسر بشكل كبير ما قد يزعزع التوازنات المالية لكافة المصارف البالغ عددها 24 بنكا رغم أن المركزي قد يكبح التكاليف الناتجة عن إعادة التمويل لمساعدتها على الخروج من كبوتها.
هناك مسألة أخرى لا تقل أهمية، وهي احتمال تقلص ودائع التونسيين والشركات في خضم التراجع الملحوظ في الحركية الاقتصادية والاستثمارية والشلل التام لعدة قطاعات مهمة على غرار السياحة والنقل والأنشطة التجارية الحرة الأخرى.
وإلى جانب ذلك كله، ستكون تداعيات الوباء ملموسة أيضا من ناحية التصرف في المخاطر المتعلقة بالقروض المتعثّرة من الصنفين الثاني والثالث، وبالتالي فإن هامش مناورة المصارف التونسية سيتضاءل على الأرجح الأمر الذي سيفاقم الضغوط عليها إن لم تجد حلولا عاجلة.
وفي ظل توقعات صندوق النقد الدولي بأن ينكمش الاقتصاد التونسي هذا العام بواقع 4.3 في المئة، فإن ذلك سيؤدي لا محالة إلى تزايد التحديات التي تواجه جودة أصول المصارف، مما سيولد ضغوطا شديدة على مستويات رؤوس أموالها الضعيفة أصلا.
في ضوء ذلك، تصب ترجيحات المختصين في تكبد معظم المؤسسات المصرفية التونسية خسائر خلال العام الجاري مع غياب اتخاذ أي تدابير أو إجراءات تنظيمية تحفيزية للتخفيف من الآثار الناتجة عن الظروف المالية الحالية.
صحافي تونسي

قيم الموضوع
(0 أصوات)