ardanlendeelitkufaruessvtr

العنصرية حية ترزق بيننا

بقلم هيثم الزبيدي حزيران/يونيو 03, 2020 138

 

العنصرية حية ترزق بيننا
هيثم الزبيدي
المشاهد العنصرية التي نراها اليوم في مجتمعات تدعي التطور، تعود بنا إلى المخاوف الغريزية التي نراقبها وهي تنفلت مع كل أزمة في الموارد وكل شح في العطاء.
العنصرية تشق عميقا في نفوس المجتمعات
منذ سنوات طويلة، روى لي صديق بريطاني أسود من أصول أفريقية نكتة عنصرية مقيتة. خلاصة النكتة أن جارين، واحد أبيض والآخر أسود، يتجادلان أيهما أفضل من الآخر. البيتان متجاوران ومتشابهان، والسيارتان متشابهتان. الأسود يصر على أنه أفضل من جاره الأبيض. فيرد الأبيض: انظر كل شيء متشابه، لماذا هذا الإصرار؟ يرد الأسود: أنا أفضل، أنا جاري أبيض وأنت جارك أسود!
العنصرية تشق عميقا في نفوس المجتمعات. هي موجودة في المجتمعات القديمة، مثل المجتمعات العربية، على الرغم من الوعظ الديني. أبرز أنواع هذه العنصرية ذلك القائم على اللون. ويمكن بسهولة تشخيص أن مجتمعاتنا تمارس عنصرية باطنية أو علنية بحق مواطنين، فقط لأن ألوان بشرتهم داكنة. اكتفى هؤلاء المواطنون بـ”قناعة” الإحساس بأنهم أقلية، وتعاملوا بالانزواء أو الحرص على عدم إثارة القضية. يدركون قسوة المجتمعات في العالم العربي ونظرتها للآخر، كما هو الحال في النظرة إلى المسيحيين والأكراد والأمازيغ، والفعل العنيف المتكرر ضد هذه الأقليات.
المجتمعات الحديثة المستقطبة للمهاجرين كما في أوروبا، أو تلك التي تشكلت في القارتين الأميركيتين حيث التاريخ المخزي للعبودية، شيء آخر. الغرب الأبيض باع واشترى بالناس لحد وقت قريب. ثم مارس أنواعا مهلكة من العنصرية كما تحمل الذاكرة والتوثيق. من سفن العبيد من أفريقيا إلى فظاعات الحرب الأهلية الأميركية والحروب العالمية في أوروبا. نشأ إحساس مؤقت بالذنب لدى البيض، كان الفرصة لكي يذكر السود بالدرجة الأولى بمعاناتهم. هذا لا يعني أن الهسبانيك الناطقين بالإسبانية في الولايات المتحدة لا يتم التمييز ضدهم، أو أن الهنود الحمر بوضع جيد. لكن السود هم الصوت الأعلى لأنهم على رأس قائمة المضطهدين تاريخيا.
في مواسم الرخاء، تستطيع المجتمعات أن توفر بعض الوفرة مما يغطي على العيوب الاجتماعية. ثمة ما يكفي من المال لتهدئة الخواطر. لكن منذ عام 2008 والأزمة الاقتصادية العالمية، صار كل شيء في تراجع وتقشف. كل الإنفاق على المشاريع الاجتماعية تراجع، وفي الولايات المتحدة مثلا صار من المعتاد أن تحال المشكلات الاجتماعية القائمة على التمييز إلى الشرطة لكي تحلها وتواجهها. تراجع دور الرعاية الاجتماعية والبلديات والمنظمات، وتصاعد دور الشرطة. وماذا تعرف الشرطة غير “تطبيق النظام” وفرض الأمور بالقوة. العنصرية تكون أشد مع عصي رجال الأمن ومسدساتهم.
المشاهد العنصرية التي نراها اليوم في مجتمعات تدعي التطور، تعود بنا إلى المخاوف الغريزية التي نراقبها وهي تنفلت مع كل أزمة في الموارد وكل شح في العطاء. تشجيع الأبيض للاعب الأسود في فريقه الوطني يخفف من بعض أوجه العنصرية مثلا، لكن الصورة النمطية التي تنظر فيها المجتمعات لمن هم جزء منها عصية على الخلع وسترافق الإنسانية لقرون قادمة. بعد مئة سنة من الآن لا استغرب أن يروي أسود أو أبيض نكتة الجارين.
كاتب‭ ‬من‭ ‬العراق‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬لندن

قيم الموضوع
(0 أصوات)