ardanlendeelitkufaruessvtr

'جاستا' في الميزان العربي

بقلم محمد أبو الفضل تشرين1/أكتوير 03, 2016 81

'جاستا' في الميزان العربي
محمد أبو الفضل
قامت الدنيا ولم تقعد، بسبب تشريع “العدالة ضد رعاة الإرهاب” المعروف بـ“جاستا”، بعد رفض الكونغرس فيتو الرئيس الأميركي باراك أوباما، وأغرقتنا الكثير من وسائل الإعلام في الأجواء التي أحاطت بإصدار القانون، والأهداف التي تقف خلفه، ومصيره أميركيا وعالميا.
وجرى التعامل معه، كأنه يستهدف المملكة العربية السعودية فقط، ويقصد أحداث 11 سبتمبر 2011 دون غيرها، وظهر فجأة ولم تسبقه مقدمات سياسية أو أمنية، والرئيس أوباما هو الحمل الوديع، الذي أراد إنصاف الرياض لكن شوكة الكونغرس كانت أقوى منه، في وقت يعرف الجميع أنه أصبح “بطة عرجاء”. قد تكون هناك ظلال من الحقيقة حول هذه القضايا، لكن المؤكد أن القانون لا يستهدف السعودية بمفردها، لأن الشياطين الكامنة في تفاصيله تجعل السيف مسلطا على رقاب الكثير من الدول العربية.
كل التحقيقات التي أجريت بشأن أحداث 11 سبتمبر، لم تثبت تورط سعودي رسمي فيها، وأخفقت جميع محاولات الابتزاز في إثناء الرياض عن بعض توجهاتها السياسية، وما ينطبق على هذه الأحداث يمكن سحبه بسهولة على دول عربية أخرى، تبدو فيها تصرفات البعض أشد مباشرة.
تكرار الحديث عن أن القانون صدر في فترة غيبوبة أو ريبة سياسية، غير دقيق، لأن الانسحاب الأميركي التدريجي من منطقة الشرق الوسط، وتبدل تحالفات واشنطن، وميلها نحو تفضيل التحالف مع إيران، على حساب العرب، لم يكن خافيا، فثمة مؤشرات ورسائل واضحة، تلقتها دول عربية عدة، على رأسها السعودية، ذهبت إلى التشكيك مبكرا في النوايا الأميركية.
كما أن الولايات المتحدة، تصرفت بما يوحي تأييدها للكثير من خطوات وتحركات بعض الدول العربية في كل من اليمن وسوريا وليبيا، لتوريطها في المزيد من الأخطاء والفخاخ، ثم محاولة ابتزازها، بالتالي فالتشريع الأميركي لم يأت صدفة، ولم يرم فقط إلى معاقبة من تورطوا في تفجيرات سبتمبر، لكنه يريد أبعد من ذلك.
في ظل تعدد مصادر القوة، والتشديد على أن من يمتلك الكثير منها يستطيع فرض شروطه، مرجح أن تتوسع واشنطن في توظيف التشريع سياسيا، خاصة أن هناك كلاما كثيرا لإدخال تعديلات توفر حماية لمواطني الولايات المتحدة، التي تورطت، بصورة غير مباشرة، في الحرب الأفغانية، وشكلت نواة الإرهاب الذي تتسرب روافده الآن إلى دول كثيرة. ولن يشفع لها التاريخ، كل ما ارتكبته من انتهاكات وأعمال إجرامية في كل من أفغانستان، عندما شنت حربا مباشرة على أراضيها، بعد أشهر على أحداث سبتمبر، وتلتها بحرب أكثر إجراما شنتها على العراق، وأدخلته غياهب لم يفق منها حتى الآن بل ساهمت في تسليمه إلى إيران.
لن ينسى أحد أن الحرب في سوريا، غذتها الولايات المتحدة بكل العناصر اللازمة لتزداد اشتعالا إلى الدرجة التي أصبحت مهمة الإطفاء عصية، وارتكبت وروسيا وتركيا جرائم ربما توازي ما قام به بشار الأسد نفسه من دمار.
لن يتجاهل العالم المهام التي قامت بها الطائرات الأميركية دون طيار في دول عربية مثل اليمن والصومال وليبيا، وأودت بأرواح المئات من الأبرياء إلى جوار العشرات من الإرهابيين، الذين استهدفتهم بعد أن انتهت مهمتهم في الدول التي ذهبوا إليها، بعلم أو غطاء من واشنطن.
بالطبع من فكروا ورعوا وصاغوا وأصدروا قانون “جاستا” يعرفون حجم الجرائم التي ارتكبتها الولايات المتحدة على مستوى العالم، منذ إسقاط قنبلتين على كل من هيروشيما وناجازاكي في اليابان، وحتى هذه اللحظة لا تزال تتساقط عناقيد غضب أميركية كثيرة على بلدان عديدة، مرورا بالحرب الضارية على فيتنام.
هؤلاء لديهم قناعات بأن الدول التي يرمي القانون إلى ابتزازها، السعودية وغيرها، تبدو في الوقت الراهن لا تملك من أمرها شيئا، وحتى عملية سحب الاستثمارات العربية من الولايات المتحدة، وعدم ضخ المزيد منها، هناك قوانين وضوابط وأعراف تحول دون القيام بها كاملة، ولن تكون هناك خيارات متاحة سوى الرضوخ والاستجابة للمطالب الأميركية.
ربما يكون القانون المشبوه المعروف بـ”جاستا” مدخلا مناسبا ليقظة عربية، تضع حدا للتباعد والمناوشات والحروب بالوكالة التي تدور رحاها في بعض المناطق، وتفرض إعادة النظر في الكثير من السياسات التي أفضت إلى الوضع السيء الذي تعيشه دولا مختلفة، والتي تتم الاستعانة فيها بجهات مثل إيران وتركيا وروسيا في المعارك التي تدور على أرض كل من سوريا والعراق.
التجارب التي مرت بها المنطقة العربية خلال السنوات الماضية، أكدت أن دولا كثيرة طامعة في الثروات العربية، والمساعدات والتقاربات التي تبدو ظاهرة، ترمي إلى الحفاظ على مصالحهم الإستراتيجية، فمعظمهم أو كلهم يتبنون سياسات تتناقض في جوهرها أحيانا، أو تتبدل بطريقة سريعة، ولا شيء يهم، طالما أن التبديل سوف يحقق الهدف منه، ولعل التغيرات في شبكة التحالفات تكشف إلى أي درجة، هناك مرونة واسعة في التوازنات الجارية في المنطقة.
لم يعد أمام الدول العربية المتماسكة، مثل مصر والسعودية والإمارات وتونس والجزائر والمغرب، سوى خيار وحيد، هو زيادة وتيرة التعاون والتنسيق حول أجندة سياسية، تستطيع أن تجابه الصعوبات التي وضعها تشريع “جاستا”، ونبذ الخلافات ووقف العداءات المجانية أحيانا، والتي مكنت دولا الكثير من التحكم في جوانب رئيسية في الكثير من الأزمات العربية.
ربما يصلح “جاستا” كمدخل لإعادة الاعتبار إلى فكرة النظام الإقليمي العربي، الذي تآكل بشكل لم يعد أحد يتحدث عنه، والكل أضحى مهموما بفكرة الحفاظ على الدولة القطرية، فوسط المحن والحروب الأهلية، إذا استطاعت كل دولة عربية أن تحافظ على وحدتها، وتقاوم مخططات التفكيك، تبدو نجت من الفخ المنصوب.
إذا أعيد الاعتبار للتعاون، وأصبح لنا “جاستا” عربيا، يومها لن تستطيع واشنطن فرض إرادتها، فكم من المصائب ارتكبت الولايات المتحدة في أراضينا؟ وكم من الحروب أشعلت؟ وكم دمرت من الدول العربية؟ وكم مرة وقفت إلى جوار الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل في حق الفلسطينيين؟
كاتب مصري



سراب/12

قيم الموضوع
(0 أصوات)