ardanlendeelitkufaruessvtr

ثلاثة أحداث هزت الموصل

بقلم ‬د‭. ‬نزار‭ ‬محمود تموز/يوليو 01, 2020 67

ثلاثة أحداث هزت الموصل
‭ ‬د‭. ‬نزار‭ ‬محمود
تشكل‭ ‬أحداث‭ ‬معينة‭ ‬منعطفات‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬أي‭ ‬إنسان‭ ‬أو‭ ‬شعب‭. ‬وحديثي‭ ‬اليوم‭ ‬عن‭ ‬ثلاث‭ ‬أحداث‭ ‬هامة‭ ‬عاشتها‭ ‬مدينة‭ ‬الموصل‭ ‬العراقية‭ ‬والتي‭ ‬تركت‭ ‬بصماتها‭ ‬الغائرة‭ ‬في‭ ‬نفوس‭ ‬وعقول‭ ‬أهلها،‭ ‬وشكلت‭ ‬صفات‭ ‬أجتماعية‭ ‬وسياسية‭ ‬واقتصادية‭ ‬في‭ ‬مواقف‭ ‬وسلوكيات‭ ‬أبنائها‭.‬
الحدث‭ ‬الأول‭ ‬هو‭: ‬المجاعة
عام‭ ‬‮١٩١٧‬،‭ ‬وقبيل‭ ‬انتهاء‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى‭ ‬والتي‭ ‬انتهت‭ ‬بهزيمة‭ ‬واندحار‭ ‬وتفكك‭ ‬الخلافة‭ ‬العثمانية،‭ ‬والتي‭ ‬كانت‭ ‬الموصل‭ ‬إحدى‭ ‬ولاياتها،‭ ‬تعرضت‭ ‬مدينة‭ ‬الموصل،‭ ‬بسبب‭ ‬رداءة‭ ‬الأحوال‭ ‬الجوية‭ ‬غير‭ ‬المساعدة‭ ‬على‭ ‬الزراعة‭ ‬المعتمدة‭ ‬على‭ ‬الأمطار‭ ‬وبالتالي‭ ‬شحة‭ ‬محصولها،‭ ‬واستئثار‭ ‬الجيش‭ ‬العثماني،‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬حرب‭ ‬عالمية،‭ ‬بجزء‭ ‬منه،‭ ‬من‭ ‬ناحية،‭ ‬وعدم‭ ‬تمكن‭ ‬السلطة‭ ‬المركزية‭ ‬في‭ ‬الإستانة‭ ‬من‭ ‬سد‭ ‬النقص‭ ‬الحاصل‭ ‬وتعويض‭ ‬ذلك‭ ‬النقص،‭ ‬لظروف‭ ‬الحرب‭ ‬كما‭ ‬سبقت‭ ‬الإشارة،‭ ‬حدث‭ ‬ما‭ ‬سمي‭ ‬بسنة‭ ‬المجاعة‭ ‬والتي‭ ‬أتت‭ ‬على‭ ‬المئات‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬هذه‭ ‬المدينة‭ ‬جوعاً‭ ‬وأجبرت‭ ‬ظروفها‭ ‬الناس‭ ‬على‭ ‬طرق‭ ‬ووسائل‭ ‬لا‭ ‬تخطر‭ ‬على‭ ‬بال‭ ‬وحتى‭ ‬على‭ ‬ممارسات‭ ‬وحشية‭ ‬لا‭ ‬إنسانية‭. ‬فقد‭ ‬أصبحت‭ ‬مناظر‭ ‬جثث‭ ‬الذين‭ ‬قضوا‭ ‬جوعا‭ ‬ً‭ ‬في‭ ‬الشوارع‭ ‬والطرقات‭ ‬ليست‭ ‬مناظر‭ ‬نادرة،‭ ‬وكذلك‭ ‬سطو‭ ‬الناس‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬بأيدي‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬طعام‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬اصطياد‭ ‬القطط‭ ‬والكلاب‭ ‬وذبحها‭ ‬وطيها‭ ‬وأكلها‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مما‭ ‬لا‭ ‬يستسيغه‭ ‬كل‭ ‬الناس‭ ‬ولا‭ ‬يطيقونه‭. ‬وربما‭ ‬كان‭ ‬الأبشع‭ ‬والأقسى‭ ‬هي‭ ‬ما‭ ‬روي‭ ‬عن‭ ‬حكاية‭ ‬‭”‬عبود‭”‬‭ ‬وزوجته،‭ ‬الذي‭ ‬قيل‭ ‬أنهما‭ ‬أعدما‭ ‬على‭ ‬فعلتهم‭ ‬الجريمة‭ ‬هذه،‭ ‬حين‭ ‬كانوا‭ ‬يستدرجون‭ ‬الأطفال‭ ‬فرادى‭ ‬إلى‭ ‬دارهم‭ ‬ويتولون‭ ‬أمر‭ ‬فتلهم‭ ‬وذبحهم‭ ‬وطيهم‭ ‬وبيعهم‭ ‬‭”‬قلية‭”‬‭ ‬للجائعين‭ ‬ممن‭ ‬يطيقون‭ ‬دفع‭ ‬ثمن‭ ‬الطعام‭!‬‭.‬
الحدث‭ ‬الثاني‭: ‬أحداث‭ ‬الشواف
لم‭ ‬يكن‭ ‬قد‭ ‬مضى‭ ‬على‭ ‬الرابع‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬تموز‭ ‬عام‭ ‬‮١٩٥٨‬‭ ‬سوى‭ ‬أشهر‭ ‬قليلة‭ ‬حينما‭ ‬بدأت‭ ‬اختلافات‭ ‬وخلافات‭ ‬حول‭ ‬طبيعة‭ ‬السلطة‭ ‬واتجاهات‭ ‬الحكم‭ ‬أسفرت‭ ‬عن‭ ‬نية‭ ‬البعض‭ ‬من‭ ‬المشاركين‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الانقلاب‭ ‬في‭ ‬أنقلاب‭ ‬تصحيحي‭ ‬وفي‭ ‬اتجاه‭ ‬أكثر‭ ‬ميلاً‭ ‬لعروبة‭ ‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تعيش‭ ‬وحدة‭ ‬غير‭ ‬ناضجة‭ ‬مع‭ ‬سورية‭. ‬وكانت‭ ‬الأوضاع‭ ‬حينها‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬هجينة‭ ‬في‭ ‬ملامحها‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والثقافية‭ ‬بين‭ ‬قبلية‭ ‬وعشائرية‭ ‬ومدنية،‭ ‬وبين‭ ‬ملاك‭ ‬وأقطاعيين‭ ‬وتجار‭ ‬وعائلات‭ ‬دينية‭ ‬وطبقية،‭ ‬بين‭ ‬شرائح‭ ‬خسرت‭ ‬نفوذها‭ ‬وسلطاتها‭ ‬وشرائح‭ ‬جديدة‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬الاستحواذ‭ ‬عليها‭. ‬باختصار‭ ‬شديد‭ ‬سادت‭ ‬حالة‭ ‬هرج‭ ‬ومرج‭ ‬سياسي‭.‬
ولم‭ ‬تكن‭ ‬الموصل‭ ‬بأعيانها‭ ‬وفقرائها،‭ ‬وأوضاعها‭ ‬لتختلف‭ ‬كثيراً‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬الصورة‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬خصوصياتها‭ ‬الأبرز‭ ‬في‭ ‬تنوعها‭ ‬العرقي‭ ‬والعربي‭ ‬الطاغي‭ ‬والديني‭ ‬والإسلامي‭ ‬المذهبي‭ ‬السني،‭ ‬وبمستوى‭ ‬تعليمها‭ ‬وميلها‭ ‬للحياة‭ ‬العسكرية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬ارتفاع‭ ‬نسبة‭ ‬ضباط‭ ‬الجيش‭ ‬العراقي‭ ‬المنحدرين‭ ‬من‭ ‬الموصل‭ ‬ومشاركة‭ ‬عدد‭ ‬ملحوظ‭ ‬منهم‭ ‬بانقلاب‭ ‬‮١٤‬‭ ‬تموز‭ ‬عام‭ ‬‮١٩٥٨‬‭ ‬ومن‭ ‬بعدها‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬انقلاب‭ ‬الشواف‭ ‬التي‭ ‬تبعتها‭ ‬ما‭ ‬سنبحثه‭ ‬من‭ ‬أمر‭ ‬تداعياتها‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬المدينة‭. ‬وباختصار،‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬اتفق‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الضباط‭ ‬الأحرار،‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬قد‭ ‬شاركوا‭ ‬بانقلاب‭ ‬عام‭ ‬‮١٩٥٨‬،‭ ‬على‭ ‬الانقلاب‭ ‬ضد‭ ‬الزعيم‭ ‬عبدالكريم‭ ‬قاسم،‭ ‬رئيس‭ ‬لجنة‭ ‬الضباط‭ ‬الأحرار‭ ‬التي‭ ‬قامت‭ ‬بالثورة‭ ‬وليصبح‭ ‬رئيساً‭ ‬للوزراء‭ ‬وصاحب‭ ‬السلطة‭ ‬الأول‭ ‬والأوحد‭. ‬وكان‭ ‬أبرز‭ ‬هؤلاء‭ ‬الضباط،‭ ‬ناظم‭ ‬الطبقجلي،‭ ‬قائد‭ ‬الفرقة‭ ‬الثانية‭ ‬في‭ ‬كركوك،‭ ‬ومدحت‭ ‬الحاج‭ ‬سري،‭ ‬من‭ ‬الاستخبارات‭ ‬العسكرية،‭ ‬وعبدالوهاب‭ ‬الشواف،‭ ‬آمر‭ ‬موقع‭ ‬الموصل‭.‬‭ ‬ولأسباب،‭ ‬لا‭ ‬مجال‭ ‬للخوض‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المقام،‭ ‬حصل‭ ‬أن‭ ‬انفرد،‭ ‬أو‭ ‬ربما‭ ‬تسرع،‭ ‬الشواف‭ ‬بالتحرك‭ ‬العسكري‭ ‬من‭ ‬الموصل‭ ‬ضد‭ ‬قاسم،‭ ‬لكن‭ ‬محاولته‭ ‬في‭ ‬إسقاط‭ ‬قاسم‭ ‬باءت‭ ‬بالفشل،‭ ‬وقتل‭ ‬على‭ ‬أثر‭ ‬الرد‭ ‬العسكري‭ ‬للحكومة‭ ‬المركزية‭ ‬في‭ ‬المستشفى‭ ‬العسكري‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬شابها‭ ‬الغموض‭ ‬بعد‭ ‬إصابته‭ ‬إثر‭ ‬غارة‭ ‬جوية‭. ‬ومن‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬تتوتر‭ ‬الأوضاع‭ ‬في‭ ‬الموصل،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬بعد‭ ‬اعتقال‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الضباط‭ ‬المشاركين‭ ‬والمتعاطفين‭ ‬مع‭ ‬حركة‭ ‬الشواف‭ ‬ووصول‭ ‬ما‭ ‬سمي‭ ‬بقطار‭ ‬السلام‭ ‬من‭ ‬بغداد‭ ‬يحمل‭ ‬معه‭ ‬مئات‭ ‬العناصر‭ ‬الشيوعية‭ ‬منها‭ ‬والموالية‭ ‬لقاسم‭ ‬بحجة‭ ‬عقد‭ ‬مؤتمر‭ ‬في‭ ‬الموصل،‭ ‬لكنه‭ ‬كان‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬حقيقة‭ ‬الأمر‭ ‬وواقعه‭ ‬مآرب‭ ‬سياسية‭ ‬وانتقامية‭ ‬من‭ ‬العناصر‭ ‬العروبية‭ ‬وقواها‭ ‬في‭ ‬الموصل،‭ ‬والذي‭ ‬تحول‭ ‬بسرعة‭ ‬إلى‭ ‬صدامات‭ ‬دامية‭ ‬وأعمال‭ ‬وحشية‭ ‬في‭ ‬القتل‭ ‬والحرق‭ ‬والنهب‭ ‬والسلب‭ ‬والتمثيل‭ ‬بجثث‭ ‬العشرات‭.‬
لقد‭ ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬الأعمال‭ ‬صدمة‭ ‬كبيرة‭ ‬شاركت‭ ‬فيها‭ ‬قوى‭ ‬وغوغاء‭ ‬عرقية‭ ‬ودينية‭ ‬وطبقية‭ ‬تسببت‭ ‬في‭ ‬حفر‭ ‬خنادق‭ ‬عداوات‭ ‬وثأرات‭ ‬غائرة‭ ‬في‭ ‬العمق‭.‬
الحدث‭ ‬الثالث‭: ‬داعش
إن‭ ‬عناصر‭ ‬داعش،‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬القاعدة،‭ ‬ليسوا‭ ‬أوهاماً‭ ‬أو‭ ‬أشباحا،‭ ‬وإنما‭ ‬هم‭ ‬مجموعة‭ ‬صغيرة‭ ‬بدأت‭ ‬ثم‭ ‬كبرت‭ ‬وتوسعت‭ ‬وتضخمت‭ ‬بفعل‭ ‬عوامل‭ ‬كثيرة،‭ ‬وأحياناً‭ ‬متناقضة،‭ ‬أستغلت‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬سعيها‭ ‬لتحقيق‭ ‬أحلامها،‭ ‬اللا‭ ‬واقعية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الزمن،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أغراض‭ ‬أخرى،‭ ‬داخلية‭ ‬واقليمية‭ ‬ودولية‭. ‬كما‭ ‬تجب‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬تنوع‭ ‬دوافع‭ ‬وظروف‭ ‬الذين‭ ‬انتموا‭ ‬لمنظمة‭ ‬داعش‭ ‬التي‭ ‬أعلنت‭ ‬الموصل‭ ‬لاحقاً‭ ‬عاصمة‭ ‬لخلافتهم،‭ ‬من‭ ‬عقائدية‭ ‬وسياسية‭ ‬واقتصادية‭ ‬وأمنية‭.‬
وخلال‭ ‬سيطرة‭ ‬داعش‭ ‬على‭ ‬الموصل‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬ثلاثة‭ ‬أعوام‭ ‬‭(‬‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬حزيران‭ ‬‮٢٠١٤‬‭ ‬إلى‭ ‬منتصف‭ ‬‮٢٠١٧‬‭)‬‭ ‬هجر‭ ‬المدينة‭ ‬وقتل‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬المليون‭ ‬نسمة‭. ‬كما‭ ‬جاء‭ ‬تدمير‭ ‬أبرز‭ ‬معالم‭ ‬المدينة‭ ‬ومركز‭ ‬المدينة‭ ‬في‭ ‬عمليات‭ ‬تحريرها‭ ‬ليكمل‭ ‬صورة‭ ‬الفاجعة‭ ‬التي‭ ‬حلت‭ ‬بالمدينة،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬ما‭ ‬تعرض‭ ‬له‭ ‬أبناء‭ ‬المدينة‭ ‬من‭ ‬تساؤلات‭ ‬واتهامات‭ ‬ومضايقات‭ ‬أمنية‭ ‬وسياسية‭ ‬واقتصادية‭.‬

قيم الموضوع
(0 أصوات)