ardanlendeelitkufaruessvtr

ضم أراضي الضفة: تهدئة اللعب واستبطاء القطار

بقلم عدلي صادق تموز/يوليو 04, 2020 147

 

ضم أراضي الضفة: تهدئة اللعب واستبطاء القطار
عدلي صادق
اليوم، يتعين على المجتمع الدولي كله، أن يضع حدًّا للمنهجية السياسية الإسرائيلية وممارساتها على الأرض.
رفض كليّ لسياسة الضم
أظهرت الحكومية الإسرائيلية نوعاً من الاستخفاف بردود الأفعال الأوروبية الرافضة لعملية ضم أراض فلسطينية في الضفة وفرض سيادة إسرائيل عليها. ومن المفارقات أن هذه الأوساط نفسها، وهي تؤكد على عدم تأثر الخطط الإسرائيلية بما أسمته “العصا” الأوروبية، تحدثت عن “جزرة” الإمارات، التي من شأنها وقف عملية الضم “مؤقتًا” أو إبطاؤها، وذلك بمعنى أن إسرائيل في المحصلة ماضية في عملية الضم، لا توقفها عصا ولا جزرة!
فقد حل موعد الأول من يوليو، دون أن تعلن الحكومة الإسرائيلية عن أي تغييرات في الوضع القانوني للمستوطنات في أراضي الضفة المحتلة. لكن الحديث الإسرائيلي عن فرض سيادة دولة الاحتلال على نحو 30 في المئة من أراضي الضفة، لا يتوقف على مدار الساعة، وتستخدم أوساط حزب “الليكود” الحاكم تعبير “قطار السيادة” المنطلق في اتجاه التأطير الجغرافي الجديد لدولة إسرائيل، على حساب الأراضي الفلسطينية، وعلى النحو الذي يدمر فرص تحقيق أية تسوية، ويطيل أمد النزاع ويؤججه.
رسائل التحذير تصل إلى إسرائيل من كل مكان في العالم، وتصل إليها من داخلها. لكن حسابات بنيامين نتنياهو، التي تغلب عليها المقاصد الشخصية، تجعله يتحدث كحريص على فتح أبواب السجال على مصاريعها بخصوص ضم الأراضي، ومقارعة أوروبا والعالم، ما يعني موضوعيّا إغلاق باب الحديث عن أهليته الشخصية للاستمرار في الحكم، وهو ملاحق قضائيّا، وفتح المزاد السياسي بالإيقاع الذي يناسبه.
في الأيام القليلة التي سبقت بداية شهر يوليو، توصل الأميركيون إلى قناعة بأن الوقت ليس مناسبًا للإعلان عن ضم أراضٍ في الضفة وفرض السيادة الإسرائيلية عليها. وقد تحدث الطرفان الأميركي والإسرائيلي عن ضرورة إرجاء الخطوة، لكن نتنياهو ظل على رأيه بأن يبدأ الضم على مراحل، وأن تكون المرحلة الأولى أكثر من كافية للحكم على العملية السلمية بالموت، مع ضمان تأبيد الاحتلال والصراع، لاسيما وأن المرحلة الأولى التي يقصدها نتنياهو تشمل مجموعة مستوطنات “معاليه أدوميم” التي تمتد من القدس إلى الحدود الشرقية والبحر الميت وتشطر الضفة الفلسطينية إلى شطرين، تنشب إسرائيل ظفرها في كل منهما وتستقطع للاحتلال العسكري والاستيطاني قاعدة وجوده ونقاط سيطرته على كل الأراضي.
من بريطانيا، وهي تاريخيًّا الطرف المرجعي الذي تبنى مشروع تأسيس دولة إسرائيل؛ صدرت أكثر الأصوات حدة في رفض الضم، ففاجأت حكومة نتنياهو، إذ أعرب بوريس جونسون رئيس وزراء المملكة المتحدة عن استنكاره الشديد للضم، وكتب في صحيفة “يديعوت أحرونوت” يقول “إن الضم سيشكل انتهاكًا للقانون الدولي” وأنه “يأمل بشدة ألا يجري، وإذا فعلت إسرائيل ذلك، فإن المملكة المتحدة لن تعترف بأية تغييرات على خطوط 1967 باستثناء تلك المتفق عليها بين الطرفين”!
رسائل التحذير تصل إلى إسرائيل من كل مكان في العالم، وتصل إليها من داخلها، لكن حسابات نتنياهو التي تغلب عليها المقاصد الشخصية، تجعله يتحدث كحريص على فتح أبواب السجال على مصاريعها بخصوص ضم الأراضي
جاء الموقف البريطاني متطابقًا مع الموقف الأوروبي وزائدًا عليه. لكن إسرائيل بطريقتها المعروفة في الرد على سياسات الدول التي تنتقد سلوكها؛ وصفت جميع الآراء بأنها “تهديدات”. فهذه الدولة، لا تزال تعتبر النصيحة تهديدًا، والنقد هجومًا عدائيّا. أما استنكار السلوك اليومي العدواني وشجب قتل الأبرياء بدم بارد، فتراهما نوعًا من العداء السافر للسامية. وفي الحقيقة إن الغرب مجتمعًا ساعد إسرائيل على الاستمرار في هذا التشكي الكذوب، الذي جعلها ترى نفسها فوق النقد، كـأنما أرادت أن تجعل سياسات الاحتلال والقتل الممنهج للفلسطينيين ورفض كل صيغ وخطط التسوية؛ هو المعادل الموضوعي للسامية وللإرادة الإلهية.
اليوم، يتعين على المجتمع الدولي كله، أن يضع حدًّا للمنهجية السياسية الإسرائيلية وممارساتها على الأرض. فطالما أن مقاومة الفلسطينيين لهذه الممارسات ستوصف في الغرب بأنها إرهاب؛ فالأجدر أن يوصف الاحتلال بكونه مشروعًا إرهابيًّا لم يعد له مثيل في العالم، لأنه الاحتلال العسكري الأخير الذي لا يزال قائمًا ويتوجب كبحه وإنهاؤه!
إن مواقف دول الاتحاد الأوروبي من الاحتلال، لا تزال كما هي مطابقة للقانون الدولي، لكنها في الوقت نفسه ليست مقترنة بأية تدابير زجرية، تساعد في كبح جماح اليمين الإسرائيلي. فهذا الأخير يرى في المواقف الأوروبية نوعًا من الكلام والتهديدات الجوفاء، ويقول زعماء الليكود والأحزاب الأصولية التي على يمينه، إن على الأوروبيين أن يقولوا ما يشاءون لكن الشمس ستظل تشرق من الشرق وتغيب في الغرب. وقد استقرت حكومات إسرائيل على قناعة بأن أوروبا لن تعترف بضم الأراضي في القدس والجولان والضفة، لكنها لن تفعل شيئًا لمنع الضم، وهذا بحد ذاته يضيء الإشارة الحمراء للأوروبيين، وللمعنيين بتصويب مسار العلاقات الدولية.
ففي الآونة الأخيرة، كان هناك نشاط لافت لمفوض السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي جوزيف بوريل، الذي خاطب الإسرائيليين مرارا وتكرارا، مذكرا حكومتهم بما أسماه المفهوم الأوروبي لـ”نظام دولي قائم على القواعد الضامنة للسلم والعدالة”. وقد نشر هذا الأسبوع مقالاً في صحيفة “جيروزاليم بوست” أشار فيه إلى أن كل ذرائع إسرائيل وادعاءاتها لا تبرر تجاهلها، لما استقر من قواعد السلوك في العلاقات الدولية.
ومن المفارقات أن الجمهور الإسرائيلي نفسه، ليس مهتمًّا بمشروعات نتنياهو لضم أراض في الضفة. فقد أظهرت استطلاعات الرأي، أن الاضطراب الإقتصادي الناتج عن تفشي جائحة كورونا، هو ما يشغل الإسرائيليين، بل إن قناعة هؤلاء تراجعت بخصوص مشروعات التوسع الاستيطاني، وبخاصة عندما أدركوا أن كلفة الاستيطان وما فيه من إغداق حكومي على المستوطنين، كانت ولا تزال تخصم من حقوق المواطن الإسرائيلي وتؤثر سلبا على مستوى حياته.
كاتب وسياسي فلسطيني

قيم الموضوع
(1 تصويت)