ardanlendeelitkufaruessvtr

قَدُّك أمير الأغصان

بقلم عدلي صادق تموز/يوليو 05, 2020 129

 

قَدُّك أمير الأغصان
عدلي صادق
منكرو الموسيقى، كانوا في نميمتهم لدى الإنجليز، يعيبون على قبائل أخرى تعيش على السواحل، فيقولون إن أولئك متحللون وقليلو بداوة، اختلطوا بالأتراك فأصابتهم لوثة المدنية، فيثني ضباط المخابرات الإنجليز على "أصالتهم" المرتجاة!
الإسلام الحقيقي يُنمي الإحساس الجمالي لدى الإنسان
في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وحتى الربع الأول من القرن العشرين، كانت الموسيقى في مصر وفي سائر المشرق العربي، جزءاً من انشغالات الموهوبين من رجال الدين الأزهريين ومن حفظة القرآن، ومن القضاة المرموقين والساسة. يغنّي عبده الحامولي، من ألحان الشيخ محمد عثمان، وكلمات القاضي والسياسي الجليل إسماعيل صبري “قَدُّك أمير الأغصان”. لم تكن قد ظهرت أيديولوجية تقييف الدين على النحو الذي يلائم خواء الصحراء، بذريعة التطهر والعودة إلى تقاليد السَلف.
وفي السياسة، كان الإنجليز، وبحكم مقاصدهم، يفضلون أن تكون الغلبة في الصحراء الداخلية، للعرب الأكثر بداوة. فهؤلاء يقاومون التطور ويباهون بـ”أصالة” تحافظ على سمات الحياة البدائية. أما في الأطراف وعند الثغور المطلة على البحار، فالمطلوب فسيفساء من الأديان والأقليات العرقية التي تظل كل منها في حاجة إلى الحماية، وتكون بمجموع أطيافها، ضمانة التبعية لمستعمرها القديم.
فمنذ أن أنتج الصحراويون أيديولجيتهم التي تطورت إلى ما يسمى “السلفية الجهادية” أصبحت الموسيقى مُنكرة، وفي طليعة قائمة المحرمات في معتقدهم المنحرف. ذلك يعني أن المقرئين من مجوّدي القرآن الكريم، لو عاشوا إلى زمن ظهور الدواعش، لكان مصيرهم قطع الرقاب.
ومعلوم أن التجويد والتلاوات القرآنية والترانيم وإعلاء أذان الفجر، كانت كلها منضبطة على مقامات موسيقية مشرقية، لاسيما “الرست” و”الحجاز” و”نهاوند” وهذه من المقامات التي أوقعت في السامعين، بصعودها ونزولها على سلالم الصوت، المزيد من غزارة الإحساس بالشجن والتقوى والميل إلى تدبر المعاني.
منكرو الموسيقى، معادون للفن والجمال في حد ذاتهما، ويجافون جزءاً من حضارة الأمة وأجزاءً من صحيح الدين، أخطرها تجاهل حُرمة قتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق.
الإسلام الحقيقي يُنمي الإحساس الجمالي لدى الإنسان، ويرفع مستوى ذوقه ويرتقي بملكاته النفسية والروحية.
وفي هذا السياق، تطورت الفنون غناءً وشعراً وتصويراً وموسيقى، وظهر زرياب، بصوته العذب وموسيقاه الآسرة. وهذا الذي جعل الفقيه أبوحامد الغزالي يقول في القرن الثاني عشر الميلادي: “من لم يحرّكه الربيعُ وأزهاره، والعودُ وأوتاره، فهو فاسدُ المزاج وليس له علاج”. وقيل إن واحداً من هؤلاء، سمع الفقيه المعاصر الشيخ محمد الغزالي، يدندن بلحن أغنية، فقال له إن الغناء حرام يا شيخ، فرد عليه الشيخ: “حرام في فقهك البدوي أنت، أما في فقهي الحضري فهو حلال”!
منكرو الموسيقى، كانوا في نميمتهم لدى الإنجليز، يعيبون على قبائل أخرى تعيش على السواحل، فيقولون إن أولئك متحللون وقليلو بداوة، اختلطوا بالأتراك فأصابتهم لوثة المدنية، فيثني ضباط المخابرات الإنجليز على “أصالتهم” المرتجاة!
كاتب وسياسي فلسطيني

قيم الموضوع
(0 أصوات)