ardanlendeelitkufaruessvtr

الرحمة ايام زمان

بقلم فائزة محمد علي فدعم تموز/يوليو 13, 2020 196

فائزة محمد علي فدعم

في ثلاثينيات القرن الماضي وبعد صلاة الفجر بقليل طرق باب البيت إمام جامع الشابندر . تقول الوالدة : انه همس في اذن والدي فخرج مسرعا فرأى رجل وامرأة وطفل عمره سبعة ايام كالقمر حسب تعبيره .

قال الرجل لأبي : علمت بانك لم ترزق باطفال وانك موسر الحال وهذا الولد ابني من زوجتي الاولى وهذه الثانية . كانت قد حصلت مشادة كلامية بينها وبين اهلي فاتهموها بعرضها وهي بريئة فما كان من أخيها الا ان قتلها وانا لا اريده واشهد الله انها بريئة . فادخلهم إلى البيت وكانت فرحتهم غامرة وقال لامي : جائنا ولد من الله فطلب من ابوه ان يكتب ورقة فيها بعض الشروط . منها ان يدفع له كل يوم ربع دينار وجاء بالمختار وشاهدان وثقوا هذا الكلام ورحلا بعد أن اخذ والدي عنوانه وهو من احدى القرى القريبة ... فرح الجميع وطلب من خالي ان يشتري بقرة لتوزيع لحمها على الفقراء وفي صباح اليوم التالي رحل إلى بغداد واحضر له أرقى الملابس والمستلزمات التي يحتاجها الطفل الذي تعلق الكل به ... واطلق عليه والدي اسم ( لطفي ) وأخرج له بعد مدة وثائق رسمية وأصبح الوريث الشرعي له . كبر وأصبح عمره ثلاث سنوات وكان شكله يسر الناظرين جمالا وبرائة وهو مزينا بالذهب من الرقبة حتى الارجل . كانت والدتي تأخذه الي بيت جارنا فأصابته عدوى الحصبة ومرض فاخذوه الى طبيب الملك سندرسن ودكتور آخر اسمه صموئيل ولكن دون جدوى فتوفى ... وتلك كانت اسوء الايام على عائلتنا .

أرسل ابي إلى والد الطفل ليخبره وعندما جاء مزقت المكاتبة واخذ جميع حاجياته وتناول الغداء هو وزوجته ثم رحل ... امي وابي كانوا في حالة يرثى لها وجميع الاقارب وابناء المنطقة التي كنا نسكنها يعرفون تلك القصة ويذكرون هذه الحادثة ...

بقي والداي لمدة سبعة ايام في الظلام بلا فانوس او شمعة . كان الناس الذين يسكنون جوارنا والأقارب يقولون هذا اعتراض على امر الله فتقول امي : لطفي في الظلمة كيف اجلس انا في النور حتى مرضت وذهبوا بها إلى الأطباء في بغداد ومنهم كرجي ربيع والدكتور سلمان فائق فتبين انها مصابة بقرحة المعدة والاثنا عشري وكذلك كانت متعبة نفسيا ولكثرة ترددهم للعلاج اشترى لها والدي دارا في الحيدر خانة . كان َمن أروع البيوت في ذالك الزمان صاحبه يعمل حاكم وهو من بيت السينلي . كانوا يقضون اسبوع في بغداد واسبوع في بعقوبة واحيانا ياخذها إلى الموصل . ولكن بلا فائدة . الكل يبكي عليها ومرت السنين ورزقها الله بثلاثة أطفال وعندما كبرت انا كانت تأخذني الي المقبرة ( ابو إدريس) نذهب إلى قبره الصغير الذي كان من المرمر ومكتوب عليه بالخط الكوفي هذا قبر ( لطفي محمد علي ) لا زال في مخيلتي منذ عشرات السنين . تذكرت هذه القصة الحقيقية عندما رأيت الأطفال حاليا كيف يرميهم اهلهم في القمامة او تراهم عراة في الشوارع والازقة . فشاهدوا الفرق بين من انجبهُ وفرط به دون ان يرف له جفن وبين من عاش معه سنوات قليلة ولكنه بكاه طول العمر . اين الرحمة والشفقة والحب والحنان التي كان يتصف بها الناس ايام زمان ...

قيم الموضوع
(13 أصوات)