ardanlendeelitkufaruessvtr

ازدواجية المحكي والمكتوب

بقلم محمد حياوي تشرين1/أكتوير 09, 2016 205

ازدواجية المحكي والمكتوب
محمد حياوي
يتحرّج الكثير من الكتّاب العرب من استخدام الرموز والعبارات والأسماء الأجنبية في نصوصهم ويجهدون أنفسهم في البحث عن مرادفات عربية لها، حتّى أن بعض الحكومات العربية أنشأت مجمعات عتيدة للغة العربية، تحوّلت مع مرور الوقت إلى ما يشبه الكهنوت، وفي العراق على سبيل المثال، أصدرت الحكومة إبان السبعينات من القرن العشرين فرماناً منعت بموجبه الناس من تسمية أبنائهم بأسماء أجنبية، كما منعت أصحاب المحال التجارية من استخدام أسماء أجنبية لمحلاتهم، وكانوا في دوائر الأحوال المدنية يرفضون تسجيل المواليد الجدد بأسماء غير عربية، وهو واحد من أبسط حقوق الناس، أقصد حريّتهم في اختيار أسماء مواليدهم الجديد. إن مثل هذه التابوهات كان سببها ازدواجية اللغة وانفصالها عن الواقع الذي نعيشه، وما زالت مثل تلك الإشكالية قائمة في الحقيقة، وإن لم تتعلق بأسماء المواليد الجدد، لكن بالتربية التي نشأنا وفقها والمتعلّقة بتقديس اللغة العربية التي لا ينبغي أن يطولها الباطل لا من فوق ولا من تحت، حتّى احتار الناس كيف يسمّون جهاز الكومبيوتر الذي قلب حياتنا رأسا على عقب، أو جهاز الموبايل الذكيّ وغيره من الأجهزة والبرمجيات والتطبيقات المعاصرة.
إن ازدواجية اللغة العربية بالنسبة إلى متعاطيها بين المحكية والمكتوبة هي السبب الحقيقي لذلك الانفصال أو التغرّب الذي انعكس إلى ما يشبه ازدواجا من نوع ما في الشخصية العربية، فجميع الشعوب تكتب كما تحكي إلّا نحن، حين نكتب ننفصل عن الواقع، والسبب الحقيقي، من وجهة نظري المتواضعة، يعود إلى عدم تمكن اللغة العربية من المواكبة بسبب ربطها المحكم بالقرآن، متناسين أن اللغة ما هي إلّا أداة للتفاهم ومنظومة رموز وقواعد الغاية منها تسهيل حياة الناس وزيادة الترابط فيما بينهم، كما أننا لا نستطيع منع الناس من ابتكار أدوات التعبير المناسبة والسهلة والمباشرة بالنسبة إليهم، وعلى اللغة أن تواكب تلك المتطلبات وحسب.
لكن في حال ظلت اللغة حبيسة الكهنوت ستتحول إلى كائن حجري قد يصلح للمتاحف أكثر منه وسيلة حياة وتفاهم. إن هذه الإشكالية قد تحوّلت في العقود الأخيرة إلى عائق لنموّ مدركات الأطفال على سبيل المثال، فحسب أغلب خبراء التربية الحديثة فإن الطفل قادر على تعلم كمّ معين من الكلمات في اليوم الواحد عندما يرتاد المدرسة، وهي نسبة تكاد تكون ثابتة لدى كافة الشعوب، ولا يختلف شعب عن آخر بنسبة الذكاء والتفوق إلّا في الحالات الشاذّة طبعاً، لكن الفارق هو أن الطفل العربي الذي يجهد نفسه ويتعلم هذا الكمّ من الكلمات سيركنها في جانب من ذاكرته حال عودته إلى المنزل لأن أسرته تتحدّث اللغة الدارجة التي تختلف كليّاً عمّا تعلمه في المدرسة. إن هذه الإشكالية ستظل تلازمه طول حياته في الحقيقة.
بالتأكيد لا أقصد هنا التعرض لجمالية اللغة العربية وغناها، فهذا أمر آخر تماماً، لكن ما أقصده هو ذلك الانفصال عن الواقع وحسب، ومن وجهة نظري، لا أجد ضيراً في استخدام بعض المفردات العاميّة الدارجة في بلد عربي معيّن في النص، في حال كان ذلك الاستخدام يضفي بعض المصداقية والواقعية عليه، كما أنّني لا أجد ضيراً من تسمية الاختراعات والمصطلحات الحديثة بمسمّياتها التي اتفقت عليها كافة شعوب الأرض، بدل البحث عن مرادفات غريبة لها بالعربية، وكلما تواصل التهيّب والخوف من تلك الحقائق الصغيرة كلما ازداد انفصالنا عن الواقع وتحوّلت لغتنا العربية الجميلة إلى عائق ثقيل ومضن ومنفّر من القراءة، خصوصاً بالنسبة إلى الأجيال الجديدة التي تربت على تلك الوسائل الجديدة ونمط الحياة المعاصرة.
كاتب من العراق



سراب/12

قيم الموضوع
(0 أصوات)