ardanlendeelitkufaruessvtr

الأمـم المتحدة 1945 - 2016 بين أنقاض حروبهـا مرجل يحرق نفسه

بقلم لهيب عبدالخالق تشرين1/أكتوير 24, 2016 274

الأمـم المتحدة -1945 2016 بين أنقاض حروبهـا مرجل يحرق نفسه
لهيب عبدالخالق.
على وقع أقدام الجنود من كل حدب وصوب وانحسار السلام واحتضار النظام العالمي، تفتت الأمم المتحدة التي ربطت مصيرها بحزمة قواعد لم يأل واضعوها جهدا في تطبيقها وحفنة قوى ما زالت منذ عام 1945 تتقاسم المصالح ومناطق النفوذ. فبعد أكثر من 70 عاما على إنشائها لحماية السلام العالمي ومنع قيام الحروب، أصبح  العالم جحيما تحرقه الصراعات الإقليمية والأهلية التي تغذيها لوبيات السلاح والمصالح والكارتلات من شركات متعددة الجنسية وكيانات معولمة ودول مازال كل همها أن تحافظ على مصالحها.
في الوقت الذي تقاوم فيه المنظمة الدولية انهدام كيانها، يؤكد الواقع الذي عليه العالم اليوم انهيار عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية الذي أفرز هذه الأمم «غير المتحدة»، والتي تحولت من كيان حام إلى سكرتارية تخدم قوة مستحكمة، تباينت الآراء في أنها قوة واحدة أم قوى متعددة. كما أن النظام العالمي الذي بني على أنقاض هزيمة دور المحور (ألمانيا، اليابان وإيطاليا) ، لم يعد يملك أي شكل لنظام يمكن التعويل عليه في حل القضايا التي تتراكم على طاولات المنظمة الدولية.
لقد أصبحت الصراعات بأنواعها سيماء العالم من حولنا، وتشردت الشعوب بين قهر وفقر وحروب، وتسلطت «دول الشمال» على رقاب «دول الجنوب»، وباتت قرارات الأمم المتحدة هشة لا تساوي قيمة الحبر الذي كتبت به.. ولم تعد سوى «صكوك انتداب» تبيح لقوى الـ«فيتو» إعادة توزيع قواها على رقعة العالم الشطرنجية.
ويؤكد الأمين العام للجامعة العربية السابق عمرو موسى «تراجع دور الأمم المتحدة لمصلحة تجمعات مصغرة تعمل على قيادة هذا العالم والتحكم بمصادره، وهو ما يثير مخاوف العديد من دول العالم الثالث»، ويضع سؤالاً كبيراً حول «مصالح دول العالم النامي أمام هذا كله، وعن الدور الذي يمكن أن تلعبه المنظمات الإقليمية إزاء هذا التطور وأمام تحكم تجمعات دولية مصغرة بالمشاكل الأساسية للعالم، بعيداً عن أو خارج إصدار الأمم المتحدة».(1) ويدفع ذلك إلى ملاحظة أن الأزمات السياسية القديمة ما زالت مستعصية على الحل مثل القضية الفلسطينية، والنزاع العربي الإسرائيلي، الذي توسع فأصبح الشرق الأوسط كله مسرحا له، وباتت الدول العربية على حزام بركاني من الأزمات السياسية. وإذا أضفنا إلى ذلك قضايا أخرى مثل التنمية والطاقة والتصحر، وتغيير المناخ، وأزمات المياه والغذاء، نجد أن تحديات جديدة تفرض نفسها على الساحة السياسية والعمل الدبلوماسي الدولي، والتي تثير الاضطراب في أساليب معالجتها.
ولعل أخطر قضية باتت اليوم تؤرق صانعي القرار الدولي، هي قضية اللاجئين حول العالم وأعدادهم المخيفة. فلا تجد قارة من قارات العالم الست المسكونة تخلو من ملايين اللاجئين والفارين من عنف الحروب، واضطهاد الحكومات والسلطات الديكتاتورية، والتي بعضها يدخل تحت جناح دول المصالح.
وتنظر دول المصالح إلى هذا الرقم المتزايد من اللاجئين، على أنها كارثة تضاف إلى كارثة تزايد عدد سكان العالم، هذا العالم الذي يتحدث ثعلب الاستراتيجية الأميركية هنري كيسنجر عنه قائلا «من الرماد سنقوم ببناء مجتمع جديد، نظام عالمي جديد، سيكون هناك قوة عظمى واحدة واحد فقط باقية، وهي التي ستكون الحكومة العالمية التي ستفوز. لا تنسوا أن الولايات المتحدة لديها أفضل الأسلحة، لدينا الأشياء التي لا توجد لدى دولة أخرى، وسنقدم هذه الأسلحة إلى العالم عندما يحين الوقت المناسب».(2)
والنظام العالمي الجديد الذي أشار إليه كيسنجر تعرقل قيامه مليارات البشر التي تتضاعف، وتأتي على ثروات الأرض، وهذا النزوع العنصري ليس جديدا على الشخصية الغربية، فهم الذين بنوا عالمهم على أساس «العرق الأنقى»، لقد كان فيلسوف الليبرالية جون لوك يرى أن «الدولة السياسية تبدأ تحت حكم وإدارة رجل واحد»، وهو الذي نظر لضرورة أن «تحافظ مجموعة الأسر على وحدتها ولا تختلط بغيرها من العائلات كما يحدث غالبا عندما تكثر الأرض ويندر البشر». ربما لم يقصد لوك أن يتشكل قانون «العرق الأنقى» على نظريته تلك بعد قرون، لكنه كان يفكر بنفس الطريقة التي يفكر بها العرق الغربي، الذي لا يرى سوى أن البشرية جمعاء أحطاب لطموحاته.
ما يؤكد أن النظام العالمي الحالي زائل، وأن نظرية كيسنجر تأخذ حيزها من التنفيذ، ما ذكره كيث والاس، وهو باحث رئيسي وخبير في معهد مراقبة السكان في هامبستيد، لندن، في بحث عنونه (الأزمة الاقتصادية، أعمال الشغب والاضطرابات-مرحبا بكم في سنوات الثلاثين المقبلة)، حيث قال «الجنس البشري، وفقا للأمم المتحدة وصل إلى 7 مليارات شخص، ويشكل تضاعف الرقم في 15 عاماً، تهديداً عميقاً للحياة على هذا الكوكب، إذ لن يستطيع تحمل أرقام هذه الزيادة السكانية التي تشبه الجراد، وتحبط موارد الكوكب، فهي ستؤدي إلى تدمير الأرض، فلا جدوى من ولادة الفقراء. ولتجنب هذا الكابوس وإدخال نظام جديد عالمي علمي جديد، حيث الأساطير والحكايات الدينية والقومية هي التي يعاقب عليها بالإعدام، قد نضطر إلى أن تكون حرب عالمية كبرى أو أن تثار الاضطرابات المدنية العالمية بشكل كامل. هناك طرق عديدة تمكن المتحكمين بالعالم الجديد من تحجيم السكان، من خلال الأوبئة والحروب وأعمال الشغب. قد يكون من الضروري الجمع بين العديد من العناصر». (3)
نحن إذن نعيش فوق أنقاض النظام العالمي البائد الذي شكله حلفاء ما عادوا حلفاء، ونتجه صوب عالم يتحول فيه القانون الدولي مبرراً للقتل الرحيم لمليارات البشر، عبر مختلف المخترعات الحديثة، وبكل الأسلحة الممكنة، المعروفة والخافية، وفي دائرة ليست بأي وجه من الوجوه طاولة مجلس الأمن أو «سكرتارية الأمم المتحدة»، ترسم نفسها في مساقات جيواستراتيجية تؤسس لنظامها العالمي الرابع، على أنقاض ارتدادات استراتيجية.
النظام العالمي
ومناطق النفوذ
مر النظام العالمي بمراحل متعددة ليأخذ شكله الذي آل إليه بعد الحرب العالمية الثانية عام 1945، فحيث نتج عن انهيار الامبراطورية الرومانية وتشتت الدولة الواحدة أو نظام الحكم الواحد أو ما سمي بالحكومة العالمية، وانتقلت الأمور من حكم الامبراطورية الموحدة إلى الإمارات الإقطاعية، ومن مرحلة التوحد في الحكم إلى مرحلة التفتت والتشتت والمزيد من الحروب، جاءت نتائج الحرب العالمية الثانية لتعيد بعض الاعتبار لنظام عالمي يحاول أن يجمع الشتات الدولي أو الدول في إطار موحد عبر تنظيم قانون دولي لحماية الدولة.
ويطرح التاريخ حقيقة أن فكرة النظام العالمي في مختلف تجلياته المبكرة وغير المكتملة واقعاً، هي نتاج مبدأ القوة وليس أي شيء آخر، ولهذا رأينا بروز فكرة تقسيم العالم إلى كتلتين تنامتا إلى قطبين عظيمين، دون أن ننسى أن هاتين الكتلتين نمتا أساساً على معطيات الدول الاستعمارية ذات القوى المتعددة والتي تناطحت حتى وصلت ذروتها إلى تخوم الحرب العالمية الثانية.
وينظر لـ«النظام العالمي»، وفقاً لمفهوم التقسيم العالمي لمناطق النفوذ وفق الحقب الزمنية وهو المقياس الأميركي، ففي الحقبة التي تلت الحرب العالمية الأولى كان النفوذ للأوربيين، ومن هنا قال بريجنسكي «لقد كان الأميركيون يرون دائماً في القارة الأوربية القوة التي هيمنت لثلاث قرون على العالم وسادت عالم ما بعد الحرب العالمية الأولى التي كانت حربا أوربية بالمعنى الكامل»، وهو النظام الأول.
وفي الحقبة التي تلت الحرب العالمية الثانية والتي شهدت ظهور الولايات المتحدة كقوة عسكرية حسمت الحرب، برز مفهوم الكتلتين وانقسم العالم إلى معسكرين: شرقي وغربي أو اشتراكي ورأسمالي، وهو النظام الثاني، وينظر إلى الحقبة التي تلت انهيار الاتحاد السوفييتي على أنها النظام الثالث الذي يتسم بهيمنة القطب الواحد وهو القطب الأميركي بلا منازع، بعد أن وجدت أوربا نفسها مجبرة على الاعتماد على القوة الأميركية للحفاظ على عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية.
وذلك الاعتماد ينبع من حقيقة تاريخية وجدت نفسها في خضم تشكيل العالم الذي انقسم بين حلفاء ونازيين، وهي أن الأمم المتحدة نفسها لم تنشأ كمنظمة دولية بالمعنى المعروف، ولم تكن قواعدها وقوانينها تشمل كل هذه الأنظمة التي تضع الإنسان والسلام هدفا. ففي الحرب العالمية الثانية استعمل الحلفاء تعبير «الأمم المتحدة» للإشارة إلى تحالفهم فقط. (4)
وتذكر الوثائق التاريخية أن الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت اقترح تسمية «الأمم المتحدة»، في 1 يناير 1942، وبقي الخمسة الكبار وهم الحلفاء حينذاك «فرنسا، الصين، المملكة المتحدة، الولايات المتحدة، والاتحاد السوفيتي» ينحتون قواعد منظمة دولية، لخصوا أغراضها هم وحدهم، ووضعوا قوانينها وترتيبات مفاهيم السلام فيما يخص مصالحهم، ووفقا لمفاهيمهم، وعرفوا الأمن الدولي الذي يريدونه، والتعاون الاقتصادي والاجتماعي الدولي الذي رأينا كيف أنه تحول إلى قواعد لم تخدم العالم، بل كانت أدوات للقادة الكبار القابضين على مفاتيح «الأمم المتحدة». لقد بدا واضحا لكل من عمل في إطار المنظمات المرتبطة بالأمم المتحدة، أن هذا الكائن الذي قام على أنقاض الحرب الهتلرية لم يكن قويا بما يكفي، وفي ذاك يقول فرانسوا بونيون الذي عمل في منظمة الصليب الأحمر الدولية، «في مايو 1945 أحس الكل بهشاشة التحالف الذي تغلب على الأفعى النازية، وسرعان ما ظهرت انقسامات المنتصرين من جديد فور موت هتلر». (5)
ويضيف «التحالف الكبير الذي قضى على النازية تحقق بفعل هتلر والحلفاء أنفسهم. ففي الواقع، سرعان ما اندلعت الانقسامات العميقة التي كانت تفرق بين الاتحاد السوفييتي وحلفائه الأنجلوساكسونيين في وضح النهار اعتباراً من مؤتمر بوتسدام الذي عقد في خرائب عاصمة الرايخ القديمة». وذكر ونستون تشرشل في كلمته الشهيرة التي ألقاها في فالتون (Fulton) في 5 مارس 1946 أن «ستاراً من الحديد أسدل على القارة الأوروبية من استتن (Stettin) على البحر البلطيقي إلى تريستا على البحر الأدرياتيكي، واستمر ذلك الستار مسدلاً حتى سقوط حائط برلين». (6)
ويمكن القول، إن النظام الدولي مر بتطورات هائلة منذ الثورة الصناعية التي اندلعت في أوروبا والتي تواكبت تأثيراتها زمناً مع الثورة الفرنسية الكبرى والحروب النابوليونية في بداية القرن التاسع عشر وفق ما ترى الدراسات، وأفرز هذا التطور تحولاً هائلاً في مفهوم ومضمون الأمن الجماعي، جاءت أولى محاولاته لبلورة وتطبيق هذا المفهوم في أعقاب الحرب النابوليونية مباشرة من خلال صيغة «التحالف المقدس» الذي تحول بسرعة إلى صيغة «الوفاق الأوروبي»، ثم انتقل بعد الحرب العالمية الأولى إلى صيغة «عصبة الأمم» ليتحول بعد الحرب العالمية الثانية إلى صيغة «الأمم المتحدة»، كما أشرنا.
ويرى الباحثون أن الحرب الباردة لم تعط الأمم المتحدة فرصة لتطبيق ميثاقها تطبيقاً كاملاً رغم انه ما زال معمولاً به حتى اليوم ولو بشكل نظري، لقد تأمل البعض في أن تتيح الحرب الباردة فرصة حقيقية أمام ميثاق الأمم المتحدة ليدخل حيز التنفيذ، لكن ذلك لم يتحقق وما زال الأمل مفقوداً اليوم، فالأمم المتحدة هي وفق أكثر الباحثين «نتاج الحرب الباردة»؛ ولذا وجدنا الولايات المتحدة تسعى إلى إسقاطها عبر دلالات كثيرة ليس آخرها تهميش المنظمة الدولية وإسقاط شرعيتها.
وعلى مدى السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية، وهي حقبة امتدت أكثر من سبعين عاماً، برز مستويان متطوران من التنظيم الدولي لم تشهده الإنسانية قبلاً ويلخصهما الدكتور حسن نافعة في كتابه (الأمم المتحدة في نصف قرن) بـ:
- «الأول: أصبحت جميع دول وحكومات العالم ولأول مرة في التاريخ داخل إطار مؤسسي واحد، وهي ظاهرة لم تعرفها موجات التنظيم الدولي المتعاقبة منذ ظهور الدولة القومية في أعقاب مؤتمر ويستفاليا عام 1648، بمعنى تطابق حدود التنظيم الدولي جغرافياً ووظيفياً لأول مرة مع حدود النظام الدولي.
- الثاني: تحولت الكرة الأرضية كلها لأول مرة إلى وحدة واحدة أو ما يشبه الجسد الواحد الذي ترتبط أجزاؤه معا بشبكة هائلة ومعقدة من المصالح، فلم يعد بمقدور أي دولة مهما بلغ شأنها أن تدير مواردها البشرية والمادية أو فضاؤها الجوي أو إقليمها البحري أو الأرضي بمعزل عن الآخرين».(7)
إن ما حدث في مؤتمر «يالطا» كان تشكيلاً للنظام العالمي، وهو ما رمز إلى تقسيم مناطق النفوذ في العالم، بعدما أصبح مؤكداً أن ألمانيا واليابان لن تستمرا في القتال، وان جبهة الحلفاء (الولايات المتحدة وإنجلترا ثم الاتحاد السوفييتي من جهة أخرى والصين على بعد) أصبحت على أبواب النصر، وذلك يعني في ما يعنيه التقاء المصالح في الدفاع عن الذات أمام محاولة ألمانيا في الأساس ومعها إيطاليا في المقام الثاني من ناحية السيطرة على القارة الأوربية ومستعمراتها، وأمام محاولة اليابان من ناحية أخرى السيطرة على المحيط الهادي وشرق وجنوب آسيا.
ارتداد الاستراتيجيات
أم انهدام البيت الأممي
نجد أن التغير الذي حدث في البنية التحتية للنظام الدولي تأثر منذ سقوط الاتحاد السوفييتي وفق الدراسات، لكننا لا يمكن أن نضع كل اللوم على انهيار الدولة الشيوعية، فالنظام الرأسمالي الذي مثلته الولايات المتحدة بشكل رئيس سعى منذ أربعينات القرن الماضي لمد امتداداته على العالم بغية السيطرة. ويجد المحللون الأميركيون أن ذلك حدث بوقت أبعد قليلاً من الأربعينات، ويمكن تشخيص بعض الاتجاهات الأساسية العالمية التي كانت سبباً للتغيرات المذهلة والتحولات الكبيرة التي حدثت على ثلاثة مستويات:
على مستوى الهيكل، وعلى مستوى المسيرة التاريخية، وأخيراً على مستوى طبيعة الفرد. ولعل أهم الاتجاهات العالمية التي حدثت في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية يتلخص في التحول:
1) من السيادة إلى الاستقلال.
2) من الاعتماد على الذات إلى التشابك والاندماج.
3) من العولمة إلى المحلية.
4) من الجغرافيا السياسية إلى سياسة الهويات.
لكن هذه الاتجاهات ارتدت بفعل الحروب التي لم تفلح الأمم المتحدة في وقفها، بل لم تستطع أن تمنع قيامها، وأفرزت اتجاها معاكسا يتمثل بـ:
1) الارتداد من الاستقلال إلى الخضوع للهيمنة.
2) الارتداد من الإندماج إلى التفتت.
3) تهاوي العولمة وآثارها.
4) إعادة ترتيب الجغرافيا السياسية بطمس الهويات.
لقد وجدت المنظمة الدولية ومجلس الأمن نفسيهما وسط دوامة العولمة التي تبعثرت هي نفسها تحت أقدام الجنود الأميركيين، وصار لا بد من النظر إلى أن هذه المؤسسة الدولية وجدت نفسها على أرضية عالمية جديدة من حيث:
- ازدياد سيطرة عنصر المال والاقتصاد على السياسة داخل حدود الدولة، وبالتالي رجحان مفعولهما في العلاقات الدولية.
- فقدان الحدود السياسية قيمتها عند أصحاب المال والأعمال في الدول الرأسمالية بعد أن كان مفعولها القديم قائماً على حماية الثروات الذاتية، فأصبح المطلوب اضمحلالها وتجاوزها بمختلف السبل، وتبنت السياسة ذلك تلقائياً فبات تجاوز الحدود «مطلباً» مستهدفاً وليس مجرّد نتيجة من نتائج تطورات تقنية حديثة كما يقال.
- اضمحلال مكانة «الدولة» كوحدة أساسية في القانون الدولي، بعد أن أصبحت «سيادة الدولة» من الناحية الواقعية عقبة في وجه «العولمة»، وهذا مما يفسر الازدواجية في معايير انتهاك السيادة، فلا نكاد نجد سبباً فعلياً إلا وتكون له علاقة بهدف اقتصادي أو مالي، أو أمني يحمي الاقتصاد والمال، وهذا رغم سائر ما يقال ويتردد تحت عناوين حقوق الإنسان وحقوق الأقليات، فمن ينفق المليارات ويقاتل بأحدث العتاد لإنقاذ أرواح أفراد مضطهدين أو جماعات مضطهدة، يمكن- لو صدقت التعليلات الإنسانية التي يوردها- أن ينفق من المال ويجند من البشر أقل من ذلك بكثير، لإنقاذ أرواح من يواجهون مآسي الجوع والمرض والحرمان والتشريد.. أو يمكن على الأقل أن يتخلى عن سياسة الاستغلال الاقتصادي والمالي عالمياً، وقد ظهر حجم مسؤوليتها عن تلك الأوضاع المأساوية.
- ومن نتائج التطورات الجديدة تحت عنوان العولمة، أن العامل المالي والاقتصادي بات هو العامل الحاسم عند صناعة قرار دولي جديد، كعقد اتفاقية دولية حول البيئة، أو حول مكافحة الألغام، أو الحد من التسلح أو قيادة حرب ذات مصالح خاصة.. وسوى ذلك من الميادين الأساسية للعلاقات بين دول العالم، ولعمل المنظمات الدولية.
لقد أصبحت الأمم المتحدة- نتيجة التطورات الجارية- مجرد «إدارة بيروقراطية» في حدود «مجلس بلدية» من حيث الصلاحيات الفعلية لا الإسمية الشكلية، ومن حيث القدرة على صناعة القرار لا عدد القرارات والتوصيات الصادرة، ومن حيث امتلاك الطاقة اللازمة لتنفيذه دون أن يرتبط ذلك بابتزاز مالي من جانب دولة كالولايات المتحدة الأميركية، أو مجرد امتناع عن المشاركة في التنفيذ، ما دامت النتيجة لا تحقق هدفاً ذاتياً بغرض النظر عن أهداف المنظمة الدولية، حتى فقدت أخيرا قدرتها على التحكم بالأمور وتحولت إلى تابع للإرادة السياسية للدولة العظمى الوحيدة في العالم.
أما مايمكن اعتباره المسمار الأخير في نعش المنظمة الدولية، فكان قرار مجلس الأمن 1368 الصادر يوم 12 يوليو 2001 والذي اعتبر فيه أن «الإرهاب» يشكل تهديداً للأمن والسلام الدوليين، وعليه يعترف بحق الدفاع عن النفس المشروع الفردي أو الجماعي وفقاً للميثاق.
وقراءة مجلس الأمن لحق الدفاع المشروع عن النفس انتقائية، ذلك أنه يعتبر أن كل الأعمال التي ستقوم بها أميركا رد فعل على تفجيرات 11 سبتمبر 2001، من قبيل الدفاع عن النفس المشروع، متجاهلاً هذا الحق عندما يتعلق الأمر بالمقاومة الفلسطينية للاحتلال الإسرائيلي، مثلا والمقاومة التي برزت لدى احتلال العراق، أو أفغانستان، أو أي دولة سقطت مجددا تحت مسميات «القوى الدولية الحامية للسلام».
لقد شكل ذلك انكفاءً في القانون الدولي لمنظمة بقيت أكثر من 70 عاما تقود العالم وسياساته في المرحلة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، ورأى كثير من الخبراء السياسيين أن هذا القرار والقرار الذي لحقه (1373 في 28-9-2001) يعدان أخطر القرارات التي أصدرها مجلس الأمن لأنها تعطي للقوى دائمة العضوية صلاحية تفسير وتعريف الإرهاب، ما يجعل منها الخصم والحكم في الوقت نفسه.

ويقول الكاتب الجزائري عبد النور عنتر في كتابه «الأمم المتحدة بعد الحرب الباردة.. ضرورة الإصلاح» «غموض القرار (1373) الذي يلزم كل البلدان باتخاذ مجموعة من الإجراءات لمكافحة ما يسمى بالإرهاب، قد يشجع القوى المعنية على محاولة فرض قوانينها الوطنية على الدول الأخرى في مجال الإرهاب وهذا باسم الأمم المتحدة». ويضيف «من الممكن أن تهاجم أميركا دولاً بحجة عدم مثولها للقائمة التي أعدتها واشنطن عما تسميه بالمنظمات الإرهابية في العالم. ويعتبر أن الخطر المحدق بدول الجنوب هو أن تستخدم الحملة على الإرهاب لأغراض استراتيجية لا علاقة لها بالإرهاب».
هذا التحول الذي طرأ على النظام الدولي وموازين القوى بما فيه التحولات الهيكلية، كان لها تأثير واسع على أسلوب الأمم المتحدة وقدرتها على الاضطلاع بالوظائف والأدوار المنوطة بها، لذا صارت القوى الكبرى تحتاج نظاما جديدا، كانت الولايات المتحدة أول من نادى به وبرره بمنطق الإصلاحات أو إعادة صياغة العلاقة بين الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، والتي برزت بالضرورة في أطر أنظمة تشكلت داخل النظام الدولي السابق لحقبة التسعينيات، وهو يمثل تحولاً أصاب النظام الدولي لحقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية في اتجاه معاكس تماماً. لكأن المنظمة الدولية استيقظت فجأة على خروج مارد مخيف ابتلع ظاهرة الفيتو، وأصبحت المنظمة الدولية تمارس عملها بطريقة توحي وكأنها أصبحت أداة في يد القوة المنتصرة في الحرب الباردة، بل ارتدت إلى رحم الأنقاض التي قامت عليها ذات خريف رسم وجه النظام العالمي الثالث، الذي لم يعد نظاما بأي وجه من الوجوه.
الأمـم المتحدة -1945 2016 نجاحات تعكر صفوها إخفاقات كبيرة
يسرى عادل
تأسيس المنظمة
ظهرت فكرة إنشاء منظمة الأمم المتحدة إبان الحرب العالمية الثانية بانعقاد المؤتمرات في موسكو وطهران في سنة 1943، إذ اقترح الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت تسميتها بالأمم المتحدة في الأول من يناير عام 1942. وتعد منظمة الأمم المتحدة الامتداد الوظيفي لعصبة الأمم التي أقيمت عام 1919 والتي أخفقت في منع وقوع الحرب العالمية الثانية، ما أدى إلى قيام الأمم المتحدة بعد انتصار الحلفاء، وإلغاء عصبة الأمم.
وقبل إجراء تلك الجردة الحسابية التي نحرص فيها على الموضوعية، لا بد من تعريف هذه المنظمة، والتوقف عند أبرز المحطات التاريخية التي مرت بها، وملاحظة الأدبيات والقوانين التي استندت إليها منذ نشوئها، والأدوار التي لعبتها في إطار مهمتها المعلنة، وهي حماية وتعزيز السلم العالمي.
فقد ظهرت الأمم المتحدة على الساحة الدولية في عام 1945 في أعقاب حرب عالمية مدمرة، وبعدما وقعت غالبية الدول الأعضاء، بما في ذلك الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، هذه الوثيقة التأسيسية لها.
ميثاق الأمم المتحدة
في عام 1947 قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة اتخاذ 24 أكتوبر من كل عام يوماً للاحتفال بذكرى إعلان ميثاق الأمم المتحدة، فما هو هذا الميثاق؟ يشرح الفصل الأول من ميثاق الأمم المتحدة أهداف ومقاصد الهيئة، ويشدد على دور الأمم المتحدة في الحفاظ على الأمن والسلام العالميين. كما تعارض الأمم المتحدة في المادة الثانية من الفصل الأول، استخدام القوة في حل المنازعات.
وعلى الرغم من أن ميثاق الأمم المتحدة يحتوي العديد من المواد والفصول، إلا أن التركيز على دور الأمم المتحدة في الحفاظ على الأمن والسلام الدوليين، يضع عليها مسؤولية أخلاقية كبرى، تعد في واقع الحال المبرر الأهم لوجودها، لا سيما أنها جاءت في أعقاب حرب عالمية كبرى، دفع فيها العالم بأسره ثمناً باهظاً، تمثل في موت عشرات الملايين من البشر، وخسائر مادية هائلة، تركت آثارها على الأجيال اللاحقة حتى يومنا هذا. ونلاحظ أن ما جاء في ديباجة الأمم المتحدة، يبين بوضوح حجم وأهمية الدور المناط بها، إذ جاء في هذه الديباجة:
نحن شعوب الأمم المتحدة وقد آلينا على أنفسنا أن ننقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب التي في خلال جيل واحد جلبت على الإنسانية مرتين أحزاناً يعجز عنها الوصف، وأن نؤكد من جديد إيماننا بالحقوق الأساسية للإنسان وبكرامة الفرد وقدره، وبما للرجال والنساء والأمم، كبيرها وصغيرها من حقوق متساوية، وأن نبيّن الأحوال التي يمكن في ظلها تحقيق العدالة واحترام الالتزامات الناشئة عن المعاهدات، وغيرها من مصادر القانون الدولي، وأن ندفع بالرقي الاجتماعي قدماً، وأن نرفع مستوى الحياة في جو من الحرية أفسح.
وفي سبيل هذه الغايات، اعتزمنا أن نأخذ أنفسنا بالتسامح، وأن نعيش معاً في سلام وحسن جوار، وأن نضم قوانا كي نحتفظ بالسلم والأمن الدولي، وأن نكفل بقبولنا مبادئ معيّنة ورسم الخطط اللازمة لها، ألاّ تستخدم القوة المسلحة في غير المصلحة المشتركة، وأن نستخدم الأداة الدولية في ترقية الشؤون الاقتصادية والاجتماعية للشعوب جميعها. قد قرّرنا أن نوحّد جهودنا لتحقيق هذه الأغراض، ولهذا فإن حكوماتنا المختلفة على يد مندوبيها المجتمعين في مدينة سان فرانسيسكو الذين قدّموا وثائق التفويض المستوفية للشرائط، قد ارتضت ميثاق الأمم المتحدة هذا، وأنشأت بمقتضاه هيئة دولية تُسمّى «الأمم المتحدة».
بين الطموح والواقع
أهداف وشعارات لا يختلف اثنان على أنها تمثل رسالة إنسانية بامتياز، وبرنامج عمل طموح للحفاظ على الأمن والسلام العالميين. بيد أن السؤال هو هل استطاعت الأمم المتحدة أن تقوم بدورها المعلن كما يجب؟ أم أن ما أعلن في ديباجتها ظل عبارة عن أمنيات أخلاقية لم تجد طريقها إلى التنفيذ الفعلي؟ بطبيعة الحال أن أحداً لا يستطيع أن ينكر الدور الإيجابي لهذه المنظمة الدولية في العديد من الملفات، أو البحث عن حلول للكثير من الصراعات التي اجتاحت وتجتاح العالم، لكن المشكلة التي واجهتها المنظمة الدولية، كانت غالباً في آلية اتخاذ قراراتها، ناهيك عن أثر الدول الكبرى في هذه القرارات، لاسيما تلك التي تمتلك حق النقض «الفيتو»، والتي لا يمكن إنكار تأثيرها على قرارات المنظمة الدولية، وتسييس هذه القرارات بما ينسجم أو يتلاءم مع المصالح السياسية لها.
فشل الأمم المتحدة في الحرب
وإذا أردنا إحصاء الملفات التي تصدت الأمم المتحدة لمعالجتها، والسبل التي اتبعت في ذلك، لاحتجنا إلى مئات وربما آلاف الصفحات، لكننا سنحاول إلقاء الضوء على أبرز الملفات والنزاعات التي تدخلت فيها الأمم المتحدة لاتخاذها مقياساً على مدى نجاح أو فشل الأمم المتحدة.
من أبرز هذه الملفات ملف الصراع العربي الإسرائيلي، وما تفرع عنه من نزاعات لاحقة، إذ فشلت هذه المنظمة الدولية، ورغم انقضاء عشرات السنين، في إيجاد حل منطقي لهذا الصراع، على الرغم من كل المحاولات التي قامت بها في هذا الشأن، ومن يستعيد تفاصيل الصراع العربي الإسرائيلي، يلاحظ من دون أدنى عناء، أن هيمنة الدول الكبرى على الأمم المتحدة شلت فاعليتها فيما يخص البحث عن السلام في منطقتنا، لاعتبارات سياسية كثيرة، ويكفي للدلالة على ما نقول أن نذكر بأن قبول إسرائيل للقرار 194 الصادر بتاريخ 11/‏‏12/‏‏1948 والذي يؤكد حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم، كان شرطاً لقبول عضوية إسرائيل في المنظمة الدولية، وهو ما لم تعره الأخيرة أي اهتمام، ناهيك عن عشرات بل مئات القرارات الأخرى التي لاقت الموقف نفسه من إسرائيل. وكما هي الحال بالنسبة للصراع العربي الإسرائيلي، فشلت الأمم المتحدة في إيجاد حلول لكثير من النزاعات، مثل النزاع في الصومال والصحراء الغربية وحروب القارة السمراء المتتالية، والفشل الذريع للأمم المتحدة في رواندا، ومنع جرائم الإبادة الجماعية التي وقعت هناك عام 1994م والتي راح ضحيتها نحو 300 ألف شخص على الأقل، وهو فشل دفع بالأمين العام للمنظمة الدولية إلى الاعتراف بهذا الفشل، إذ أشار الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، إلى أن الأمم المتحدة ما زالت «تشعر بالخزي» حيال فشلها في منع الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994.
ناهيك أيضاً عن فشلها في منع الحرب على العراق، حيث تخطت الولايات المتحدة موافقتها أو عدمها آنذاك، بالإضافة إلى فشلها الواضح في حل الأزمة السورية الحالية، والتي أزهقت أرواح مئات الآلاف، وما تفرع عنها من أزمات أخرى، أبرزها أزمة اللاجئين السوريين أو إيصال المساعدات الغذائية والدوائية لضحايا هذه الأزمة. وتبقى أبرز وصمة عار على جبين المنظمة الدولية، المجزرة الأقرب للتطهير العرقي في بورما، وما يحدث للروهينجيا من قبل السلطات البوذية بقيادة الرئيس ثين سين.
إخفاقات في السلم
سلسلة من الفشل تضاف إلى إخفاقات مؤلمة في إيجاد حلول لأزمات عالمية كبيرة كالفقر، والأمية، وحقوق الإنسان، إذ يلزم ميثاق الأمم المتحدة كل الدول تشجيع الاحترام العالمي، ومراعاة حقوق الإنسان بالقيام بالأعمال التعاونية لذلك الهدف.
غير أن كون الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ليس ملزماً قانونياً، جعل منه مجرد طموح لم يتحقق في الكثير من دول العالم، أضف إلى ذلك عجز الأمم المتحدة عن معالجة مشكلات الفقر التي تعد من التحديات الكبرى في العالم.
هذه الإخفاقات تقودنا أيضاً إلى عجز مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة في درء خطر الحروب، بسبب آلية اتخاذ القرارات في المجلس، وهي آليات خشبية تحتاج للمزيد من التعديل.
بارقة بيضاء في محيط أسود
لكن هذا الجانب القاتم من تاريخ الأمم المتحدة، لا يلغي في الوقت ذاته الإسهامات الإيجابية للمنظمة في إغاثة اللاجئين، سواء الفلسطينيين عبر وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» أو غيرهم من اللاجئين في كثير من النزاعات الدولية، حيث استطاعت الأمم المتحدة، أن تترك بصماتها في مساعدة وغوث المحتاجين في كثير من الأزمات أو الكوارث الطبيعية في العالم، ولعبت دوراً لا بأس به من خلال الوكالات التابعة لها.
وهناك أيضاً نجاح الأمم المتحدة في الوساطة لإنهاء العديد من الصراعات مثل دورها بين عامي 1987م إلى 1991م في إنهاء القتال بين إيران والعراق، أو إنهاء الحرب الأهلية المزمنة في السلفادور، ونزاعات دولية أخرى.
غير أن كل ذلك لا يمنع الشعور بمدى عجز الأمم المتحدة عن القيام بدورها في حفظ السلام والأمن في عدد من المناطق المضطربة الأخرى في العالم، مثل الصراع العربي الإسرائيلي أو الأزمة في الصومال أو يوغسلافيا السابقة أو رواندا أو كشمير أو أفغانستان أو أوكرانيا مؤخراً، حيث بدا واضحاً وجلياً تحول المنظمة إلى أداة في يد الدول الكبرى، لا سيما الأعضاء الدائمين لمجلس الأمن الذين راحوا يمارسون الضغوط حتى في اختيار الأمين العام للأمم المتحدة، فكان أن فقدت الأمم المتحدة استقلالها وحيادها، وأصبح دورها محدوداً بالقدر الذي تسمح به تلك القوى، وبما لا يتعارض مع مصالحها. ونتيجة لهذا الوضع، تدهورت مكانة الأمم المتحدة، كما أصبحت قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، هدفاً للقوى المتحاربة والمتصارعة في أكثر من منطقة من مناطق النزاع في العالم.
ويعتبر فشل الأمم المتحدة في الصومال، مثالاً واضحاً لإخفاقات الأمم المتحدة وتخبطها في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، إذ تحولت المنظمة العالمية من دورها كأداة لحفظ السلام إلى أداة قهر، بل صارت متورطة في صراع الفصائل المتحاربة في الصومال، وكان لتشوه دور الأمم المتحدة أثراً دفع بعض التيارات أو القوى المتصارعة إلى اعتبارها خصماً في بعض الحالات، ليصل الأمر إلى استهداف العاملين الدوليين التابعين للأمم المتحدة في أكثر من مكان، الأمر الذي يقود إلى التأكيد بأن فقدان الأمم المتحدة لموضوعيتها، شكل خطراً عليها أيضاً، وصغر من دورها كوسيط أو مقرر في الكثير من النزاعات الدولية، ناهيك عن فشل المنظمة الدولية الكبير في حل أزمة اللاجئين التي تفاقمت مؤخراً بعد الاضطرابات التي حدثت في الشرق الأوسط، والذين ينوف عددهم على 60 مليوناً، وتداعيات هذا الفشل على الأمن والسلم العالميين.
ضرورة الإصلاح
ورغم كل نقائص هذه المنظمة الدولية وإخفاقاتها السالف الإشارة إليها، إلا أنها لا تزال إحدى الأدوات الرئيسة لحل المشكلات الدولية، كما تعد رمزاً للتعاون والتنسيق البنَّاء بين الدول.
ولهذا وذاك، ليس من المنطقي والمعقول المطالبة باستبدال الأمم المتحدة القائمة بمنظمة دولية أخرى، وإنما إجراء الإصلاحات الهيكلية اللازمة لها، بقصد بث الفاعلية فيها، وتعزيز قدرتها على تحقيق الأهداف المتوخاة من وراء إنشائها في حفظ السلام والأمن الدوليين، وإنماء التعاون الدولي وضمان احترام حقوق الإنسان. ناهيك عن ضرورة تفعيل دور مجلس الأمن الدولي، في إطار خطة إصلاح شاملة للكثير من المنظمات التابعة للأمم المتحدة، وهو ما ذهبت إليه حركة عدم الانحياز سابقاً، كما أدركت الجمعية العامة للأمم المتحدة، أهمية هذه المسألة حين أصدرت في عام 1974 قراراً يقضي بإعادة النظر في ميثاقها، والبحث في السبل المؤدية إلى تعزيز دورها وجعلها أكثر فاعلية، خاصة أن العالم يواجه أكبر مجموعة من التغيرات الخارجية والتحديات التي تواجه النظام العالمي منذ سنة 1991، تاريخ انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، منذ 25 سنة، وفرض معادلة القطب الواحد التي فرضتها الولايات المتحدة، بالإضافة إلى ظهور الإرهاب الذي أصبح تهديداً سائداً في كثير من المجتمعات في جميع أنحاء العالم.
وإزاء كل ما تقدم في هذه العجالة، نستطيع القول إن إخفاق الأمم المتحدة في حل الكثير من الصراعات الدولية، يثبت أن النوايا الطيبة ليست دائماً كافية في التعامل مع الأزمات الدولية الكبرى، وأنه لا بد من وجود آلية صارمة تكفل حيادية الأمم المتحدة، وتعطيها القدرة على الاضطلاع بدورها المطلوب للمحافظة على الأمن والسلم الدوليين، وهو أكبر وأهم الأهداف المعلنة لهذه المنظمة الدولية التي ورغم إخفاقاتها أحياناً، إلا أن الكثيرين يعولون على دورها في هذا الشأن.
المصادر
1- (اليوم السابع- موسى: تراجع دور الأمم المتحدة يأتي على حساب مصالحنا- الثلاثاء، 14 ديسمبر 2010)
2-(هنري كيسنجر: من لم يسمع قرع طبول الحرب فهو أصم ، ذي دايلي سكويب- الفريد هاينز 27 نوفمبر 2011)
3- (ذي دايلي سكويب في 20 أكتوبر 2011)
4 – (ويكيبيديا)
5- (مقال، المجلة الدولية للصليب الأحمر، العدد 305، بقلم فرانسوا بونيون- 29-04-1995 )
6- ( فرانسوا بونيون-نفس المصدر السابق)
7- (الدكتور حسن نافعة - الأمم المتحدة في نصف قرن).

                            



باهر/12   
 

قيم الموضوع
(0 أصوات)
آخر تعديل على الإثنين, 24 تشرين1/أكتوير 2016 19:25