ardanlendeelitkufaruessvtr

أمريكا و جلال الدين الرومي ..

بقلم تحسين الشيخلي تشرين1/أكتوير 26, 2016 38

 

جلال الدين الرومي هو أحد أقطاب الصوفية في التاريخ الإسلامي، و تكاد لا تخلو صفحة من صفحات الفيسبوك من مقولة له او بيت شعر . وقال موقع تابع لوزارة الخارجية الأميركية، حين تسأل عن الشاعر الأكثر شعبية في الولايات المتحدة اليوم، فإن الجواب سيكون هو الشاعر جلال الدين الرومي، وذلك في مؤشر على اهتمام الأميركيين بهذا الشاعر. وكانت منظمة اليونسكو قد خصصت العام 2007 عاما دوليا للاحتفال بالمئوية الثامنة لميلاد الرومي.

من هو جلال الدين الرومي الذى جعل لورا بوش تضع كتابه فى صورتها وهي تحتفل بفوز زوجها بفترة رئاسية ثانية؟ 

ما الذى دفع مادونا لكي تغني له ، تعلم كيف تقول وداعًا؟

 لماذا يجتاح ( الناي ) معظم المقطوعات الموسيقية .. وهو الذى اختصه بمقدمة يحكي فيها الناي كيف أصبح يعاني من آلام الفراق منذ أن كان غصنا و قطع من الغابة والناس يبكون لحزنه .. 

 الكل يبحث عن نغمة السكون يسعى لمقام الرضا .. عن شىء يرفع تناقض الأوضاع أو وتريات يهتز لها الفؤاد من خلال التزاوج بين الترانيم الشرقية والتصوف المسيحي والإسلامي والإيقاعات الغربية الإلكترونية .. 

ما السر فى هذا الفيض من الصفحات التى تطالعنا بمجرد أن يبدأ محرك البحث لجوجل فى إحصاء عدد الصفحات الخاصة بالرومي؟

 

(( أيها المسلمون ما التدبير، وأنا نفسي لا أعرف نفسي، فلا أنا مسيحي، ولا أنا يهودي، ولا أنا مجوسي، ولا أنا مسلم ولا أنا شرقي ولا أنا غربي ولا أنا بري ولا أنا بحري، ولا أنا من التراب ولا أنا من الهواء ولا أنا من النار، ولا أنا من الهند ولا أنا من الصين ولا أنا من الكفار ولا أنا من أهل الجنة أو النار وإنما مكاني حيث لامكان وبرهاني حيث لا برهان! فلا هو الجسد ولا هو الروح، لأنني فى الحقيقة من روح الروح الحبيب )). 

هكذا عبر جلال الدين الرومي عن كونية أفكاره وتسامحه اللامتناهي مع كل الأديان والأفكار فى ديوانه شمس تبريز حيث استطاع أن يخرج التصوف من إطار المصطلحات والأحوال والمقامات ومظاهره الخارجية وتحويله لحالة عالمية تلقى اهتماما عاماً وتحظى بالسمو الإنساني بعد ما يقرب من مرور 800 عام على وفاة صاحبها.

 

السؤال الذي يُطرح هنا هو، لماذا هذا الاهتمام الأميركي والعالمي بجلال الدين الرومي؟.

ما الذي يدعو لجنة الحريات التابعة للكونجرس أن توصي بتشجيع الحركات الصوفية للرومي وابن عربي لأن الزهد فى الدنيا يتبعه الزهد فى السياسة وشئونها..

 قطعا أن هذا الاهتمام لا ينبع من كون جلال الدين شاعرا إسلاميا أو شخصية صوفية إسلامية، لأن في الأمة الإسلامية من هو أشعر من جلال الدين، وهناك من هو أوسع علما ومعرفة منه. ولنا أن نذكر من الشعراء العرب، المتنبي وأبا تمام والشريف الرضي، ومن الشعراء المسلمين الفردوسي وحافظ الشيرازي وعمر الخيّام، وفي التصوّف هناك أبو التصوف الإسلامي أبو القاسم الجنيد القواريري الصوفي الذي عاش في العصر العباسي وإليه يرجع النهج الصوفي الإسلامي، وكذلك المتصوّف الكبير السهروردي.

 

وأما في مجال العلم والفلسفة فحسبنا أن نذكر ابن سينا والفارابي وابن عربي وابن رشد. لكن إزاء كل ما لدى هذه الأمة من شعراء وفلاسفة ومفكرين ومتصوفين، لم يجد الغرب سوى جلال الدين الرومي ليحتفل به وليتغنى بشعره وليجعل منه مثالا على الشاعر المجيد والمسلم القدوة. ومع احترامنا الشديد وتقديرنا البالغ لجلال الدين الذي ننظر إليه بفخر واعتزاز، إلاّ أننا نرى أن هذا الاحتفاء الغربي به لم يأتِ من فراغ، بل إنه يأتي في وقت تتصاعد فيه حدّة الصراع بين الغرب والعالم الإسلامي منذ وقوع حوادث 11 سبتمبر/ أيلول 2001. فقد أصبح الغرب في معظمه ينظر إلى الإسلام على أنه رديف للإرهاب، ويرى أن القضاء على الإرهاب يتطلب تغيير المفاهيم والأفكار عند المسلمين وتأهيلهم لجعلهم قادرين على الانخراط في الحضارة الغربية. فالمسلمون، دون خلق الله أجمعين، ما زالوا يرفضون مفاهيمه حول الديمقراطية والليبرالية وحقوق الإنسان.

 

ويرى الغرب أن هذا الأمر يجب ألاّ يستمر طويلا، ولذلك أعلنت الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون الحرب على ما يسمى الإرهاب. هذه الحرب التي قال عنها الرئيس الأميركي بوش، إنها قد تستغرق عمر الإنسان. وفي موازاة تلك الحرب العسكرية،  إنشاء إسلام جديد لا مكان للسياسة فيه، إسلام يكون موجوداُ بالاسم فقط، وليس بالعمل والاجتهاد. وفي إطار هذه الحرب، يأتي الاهتمام بالتراث الصوفي للمتصوف الإسلامي جلال الدين الرومي الذي ابتعد عن السياسة والحروب في وقت كان السلاجقة فيه في حرب ضروس مع الروم بعد أن كانوا قد سيطروا على آسيا الصغرى في معركة منزيكرت عام 1071 ، وراحوا يضيقون الخناق على الروم في القسطنطينية. فإسلام الدراويش الذي جسّده جلال الدين الرومي هو الإسلام الذي يجب أن يوجد الآن.

ما فعلته الولايات المتحدة الأميركية بعد 11 سبتمبر حين تصورت أن التصوف هو من الممكن أن يكون الطريق الأمثل والأفضل بالنسبة لها للإسلام . رأت أميركا أن بإمكان الصوفية أن توائم ما بين الإسلام وما بين قيم الديمقراطية وبين التصور العلماني في فضائه الواسع، ومن ثم احتضنت هذا التصور ومعهد نيكسون للدراسات الإستراتيجية عقد مؤتمرا في 2003 ودعا إليه باحثين من مختلف أنحاء العالم الإسلامي لمناقشة هذه الفكرة، ثم عاودت الولايات المتحدة الأميركية وعقدت مؤتمرا أيضا في 2008 ودعت إليه مشايخ من كل أنحاء العالم الإسلامي لدراسة هذه الفكرة وتعميق هذا المسار.

الصوفية ،أناس منزوين بعيدين كل البعد عن الواقع الذي يعيشه مجتمعهم وخصوصا مسائل السياسة والحكم، فهم في منأى عنها ويتحاشونها ولا يقربونها.

والحقيقة أن هذا الانطباع لم يأت من فراغ، ولم يفتري المجتمع عليهم بذلك، حيث ثمة كثير من الصوفية من ينأى بنفسه عن كل ما ينخرط في سلك السياسة ويعتبرها ليست من اختصاصه ولا يحق له التدخل فيها، بل وإن كان شيخا أو أستاذا فإنه يحذر أتباعه من ذلك ويوجههم إلى الابتعاد عنها.

أركان التصوف التي تقوم حول المحبة والولاية والزهد ، حين يكون المريد زاهدا فيما لدى السلطة من منافع ومن أموال ومن مناصب ومن مصالح أو على العكس من ذلك من الممكن أن يؤدي الزهد إلى الانسحاب الكامل من الدنيا بأسرها وبالتالي الانسحاب من السياسة باعتبارها ممارسة دنيوية، والمحبة عند الطرق الصوفية التي من الممكن أن تعزز قيمة التسامح عند المتصوف بحيث يحب الآخرين ويقبل الآخر لأن القيم التي ترسبها الطرق في ذهنه هي كذلك.

هذا هو الاسلام المطلوب من الغرب و ليس اسلام السيف ..

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث