ardanlendeelitkufaruessvtr

أسطرة الأدب

بقلم نورالدين محقق تشرين1/أكتوير 30, 2016 32

أسطرة الأدب
نورالدين محقق
حين كتب رولان بارت كتابه “أسطوريات” كان يعرف بأن الأساطير تولد في كل الأزمنة، وأنها أحيانا تعيش بيننا، وتشكل وعينا بالأشياء. فالأساطير هي علامات سيميائية يجب تفكيك بنياتها باستمرار حتى ندرك العالم المحيط بنا.
هكذا تم إبداع العديد من الأساطير في مجال الحياة اليومية لا سيما في المجال الرياضي، كما هو الشأن بالخصوص في كرة القدم، أو في المجال الفني، وتحديدا في مجال السينما كما نعلم.
الأدب أيضا يخلق أساطيره، لكن بانتقاء شديد. أساطير منبثقة من شخصيات خيالية لا وجود حقيقي لها، لكنها تصبح بفضله شخصيات تعيش بيننا. في المقابل قد تصبح حياة بعض الكتاب أنفسهم تتماس مع حدود الأسطورة. الإعلام الثقافي هنا يلعب دورا أساسيا في ذلك كما الجوائز الكبرى. بوب ديلان أصبح الآن أسطورة في الأدب بعد أن كان أسطورة في الغناء.
وبما أن عالم الأدب هو عالم جميل ومغرٍ، فهو يتحول بالتالي إلى مكان مثالي لخلق الأساطير وتحويلها إلى أيقونات عميقة الدلالة. فجمال الأدب يكمن في ذاته، في لغته وفي صوره، وفي الرؤية التي يقدمها للعالم المحيط به. فلا أدب جميل بدون رؤية جميلة للوجود.
كما أن الكلمات تحتاج إلى فضاءات بهية كي تطير بأجنحتها فيها. فإذا انعدمت هذه الفضاءات حلّقت هذه الكلمات مثل الطيور، وهاجرت إلى حيث تستطيع التحليق بكل ما تملك من قوة وبكل ما تشعر به من فرح.
من هنا نرى أن كل كاتب يريد أن يصنع أسطورته الشخصية بطريقته الخاصة. فقط هو ينسى في غالبية الأحيان أن القرّاء هم من يستطيعون صناعتها له دون اتفاق مسبق بينه وبينهم. ذلك أن خصوصية الكتابة وحدها قد تكون السبب في ذلك. وأحيانا قد يلعب الحظ دوره أيضا في هذا المجال.
الألفة والتعوّد المستمر قد يساهمان في إفقاد إمكانية انبعاث الوهج الأسطوري من خضم الكلمات. وأحيانا أخرى قد يعيد الفشل نفسه شعلة الأسطورة إلى اللمعان من جديد إذا كان هذا الفشل ناتجا عن محاولة كبيرة في تجاوز الأشياء العادية التي اعتاد عليها القراء على اختلاف توجّهاتهم الفكرية والجمالية.
في هذا الصدد نجد أن عملية الاحتفاء بالأدب داخل العمل الصحافي شيء رائع، والاحتفاء بالصحافة في حكايات الأدب يجعل من الأدب يقترب من الواقع بشكل مهم. فالكاتب الذي يجمع بينهما وينجح في ذلك، يكون في الغالب كاتبا كبيرا.
الإنترنت بدوره أصبح يساهم في إبداع الأساطير هو الآخر. وهو ما يدفع الكثير من الكتاب للكتابة في المواقع الإلكترونية المنتشرة فيه حتى يحظوا ببعض الأسطرة عن طريق حضور كتاباتهم في عوالمه اللانهائية. لا حضور للأسطورة في ظل الغياب. الأسطورة حضور دائم بشكل من الأشكال.
أبعد من ذلك فقد نجد أن الكتاب هم أيضا قد بدؤوا يستعينون بالصور، صورهم الخاصة، لإضفاء الأهمية على كتاباتهم، وتسليط الضوء عليها. فالعصر هو عصر الصور بالأساس. ذلك أن الصور تشكل عنصرا أساسيا في خلق الحدث. الصور تسجل اللحظات الهاربة من الزمن، وتجعلها قابلة لتوقيفه. لكن مشكلة الصور أنها ليست دائما صادقة.
طبعا، فالإعجاب وليد أشياء كثيرة، منها ما هو ثابت ومنها ما هو متغير. الثابت فيه نابع من الصدق، والمتغير نابع من المصلحة. إعجاب المصالح هو الأكثر حضورا، وفي كل مجالات الحياة، الواقعية منها والافتراضية. كما أن لُعبة الظل أساسية في تسليط الضوء. في غياب الظل يصبح الضوء مُعميا. الظل يمنح للرؤية الامتداد، والضوء يمنحها فرصة للظهور. وبين الطهور والغياب يتأسس الالتباس. الأدب هو وليد هذا الالتباس بالضبط.
وتظل القراءة دائما، كما هي العادة، نوعا من التواصل مع العالم. فقراءة الأساطير هي رحلة في الزمن الماضي، والعيش مع أساطير جديدة هو نوع من الاستمتاع بالحياة، لكن في ظل وعي مضاعف يجمع بين الواقع والخيال، بين ما يقع بالفعل وبين عملية تقديمه بشكل يؤسطره فنيا.
كاتب من المغرب



سراب/12

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث