ardanlendeelitkufaruessvtr

أيام عراقية حبلى بتقرير المصير

بقلم ا.د. عبد الكاظم العبودي شباط/فبراير 12, 2017 84

أيام عراقية حبلى بتقرير المصير
ا.د. عبد الكاظم العبودي
الأمين العام للجبهة الوطنية والقومية والاسلامية في العراق
قد يختلف الكثيرون من الساسة العراقيين في الإجابات عن سؤال واحد مركزي يدور في ذهن غالبية أبناء الشعب العراقي: نختصره بالعبارة الشهيرة والسؤال المصيري :
ما العمل ؟؟ نعم ما العمل ؟؟ اليوم... اليوم وليس غداً؟؟
ولا يعفى اليوم وليس غداً ، أحد من العراقيين، فرد ً أو جماعة عن الإجابة عن مثل هذا السؤال المصيري بعد اليوم. وقد تكون الاجتهادات كثيرة والتنظير للإجابات عنه أكثر.
ولكن المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق القوى الوطنية الحقيقية تبدو أكثر ثقلا وأكثر حسابا ، وهي تقف حائرة أمام تساؤلات جماهيرها ومستقبل ومصير العراق برمته؟.
منذ الغزو والاحتلال الأمريكي البغيض للعراق 2003 وتداعياته المعقدة قدم شعبنا من أجل خلاصه وتقرير مصيره، ربما تكون، الفاتورة الأثقل دموية وآلاما من بين كل شعوب الأرض التي سعت إلى المقاومة والممانعة وحرب التحرير والتطلع إلى حفظ الكرامة الوطنية والقومية، شملت حتى أحداث البارحة السبت 11 شباط/ فبراير 2017 واليوم تقديم ملايين من الشهداء، والجرحى والمعتقلين والمشردين والنازحين والمهجرين، من جهة .
والاسوء ما في القلق والآلام التي تراود أفكار ملايين العراقيين هو الشعور بفقدان القيادة الوطنية الموحدة الواعية لإدارة الصراع بين شعب العراق بكل شتاته وتمزقه وبين جبهة أعدائه، التي تبلورت بوضوح، وهي موحدة القوى والأهداف، ومتجمعة تحت لواء سلطة دموية فاسدة ونهابة للخيرات في عميلة سياسية مرتبطة بالخارج لحماية حكمها، والتمسك بكل امتيازاتها والإيغال في اهانة شعبها وإذلاله. هل تذهب كل هذه التضحيات سدى؟ وما العمل إذن للاستمرار في المقاومة والممانعة بكل أشكالها وأدواتها الممكنة حتى إنهاء هذه الحالة المأساوية المفروضة على شعبنا.
هذا هو المشهد الذي يتبلور أيامنا ، يجب أن تتفق من حوله كل القوى العراقية المعنية بالخلاص الوطني والتحري، فمنذ إدارات الرؤساء جورج دبليو بوش الابن وفترة باراك اوباما وصولا إلى دونالد ترامب في واشنطن ،من جهة، وأمامهم تعاقب الرؤساء الإيرانيين ، كل من محمد خاتمي و محمود احمدي نجاد وأخيرا حسن روحاني وبقاء دكتاتورية خامنئي وولاية الفقيه فوق رؤوسهم في طهران، حيث لم تتبلور بعد رؤية إستراتيجية عراقية موحدة تواجه كل هذا التعسف الدائر ضد شعب العراق ووجوده ومصيره .
المحصلة وكما هي متجسدة اليوم عراقيا هو اشتداد الصراع والمقاومة بين خندق عراقي وطني مقاوم ، محاصر ومحارب بشكل غريب من جهات عدة داخليا وخارجيا ، خندق وطني يناضل بصلابة ، بما يتمكن به من قدرات، وهو غير مدعوم إقليميا وعربيا ودوليا، في حين هناك سلطة وعملية سياسية فاسدة لا زالت مدعومة دوليا، ولا زالت تتلقى الدعم الأمريكي والغربي والإيراني وحتى اعتراف الأمم المتحدة بها، وهي حالة تستفز قوى الشعب العراقي الأعزل والضائع في شتات صراعات الأجنحة في العملية السياسية، والمهدد بالتقسيم والتجزئة واحتراب أدوات الطائفية على كل الأصعدة في العراق.
ولا شك أن ظهور داعش وملابساتها قد شتت العمل المقاوم وشل كثير من ساحاته وإراداته النبيلة، خصوصا عندما اهتزت البنيات الاجتماعية في المدن والريف بسبب موجات النزوح والتهجير القسري الذي شمل أغلب مدن العراق من أقصاه إلى أقصاه. كما ان مهمات فصائل العمل المقاوم نالها من التعب والتمزق كما نال من بقية القطاعات الشعبية بسبب اختلاط جبهات التدافع السياسي والاحتراب بالسلاح وسيادة موجة ما يسمى بمكافحة الإرهاب فاختلط الحابل بالنابل وغطى الأعلام العربي والمعولم كثيرا من واقع المقاومة وجهاد رجالها وأوضاع قواعدها وعملياتها .
في وسط هذا الركام والخراب الوطني ظلت الجماهير الواسعة مرهوبة الجانب وخائفة ومقموعة ومطاردة أيضا، وهي تعيش حالات متباينة تمثلت في رفع مطالبها المعيشية ومحاولات مواجهة الفساد الإداري والمالي وصفقات نهب حيتان العملية السياسية، وظلت هناك قطاعات منها تعيش الوهم الأكبر حول إمكانية إصلاح الأوضاع السياسية والاجتماعية في العراق من خلال ما سميت بمحاولات الإصلاح السياسي تارة، والتسوية السياسية، أو المصالحة الوطنية الممكنة تارة أخرى.
وفي ظل تقسيم أطراف العراق بين ثلاث مكونات طائفية واثنية بات الشرخ الاجتماعي والسياسي يتوسع مما يعرقل توحيد القوى الوطنية القادرة على المقاومة والممانعة وجعلها تحت قيادة وطنية واحدة قادرة على مواجهة الواقع السياسي والاجتماعي في العراق، والتقدم بشكل ملموس نحو المجتمع الدولي بترجمة أماني وطموحات أغلبية الشعب العراق التواقة إلى التمسك في حقوق العراق وحق شعبنا في تقرير المصير في التحرير واستعادة فرصة بناء دولة جمهورية العراق ووقف النزف الجاري على جميع الأصعدة.
أمام كل هذه الظروف تحركت قطاعات واسعة من جماهير الشارع العراقي من دون قيادة وطنية مركزية واضحة رافعة لشعارات المطالب المعيشية من جهة والوقفات والوثبات والاعتصامات ذات الصلة بالحقوق الوطنية العامة ورفض سياسات القمع والإرهاب والتنكيل بكل أشكاله وخاصة مظاهر التسلط الأعمى لعصابات المافيا السياسية والطائفية ومليشياتها التي تتمثل في مجموعة من الكتل والتحالفات والتجمعات التي تستأثر اليوم بالامتيازات في السلطة وتحتمي بسلاح المليشيات وتلوذ بحماية الدولة الفارسية الأقرب لها في كل أهدافها الطائفية والمذهبية.
ولعل الأخطر ما في الأمر ان هذه الكتل السياسية الموجودة في السلطة والحكومة والبرلمان تبدو أحيانا متحاربة ومتصادمة عبر الإعلام من اجل ضمان وإشباع طمعها بمزيد من الامتيازات لها ولقياداتها، وهي تتزاحم بدورها في معاركها التعبوية وحملاتها الانتخابية، رغم وجودها متكافلة في ظل تحالفاتها في المحاصصة السياسية وتقاسمها السلطة، نراها تدفع الشارع بحيلة ومكر ودهاء إلى الاحتراب معها بالتضليل في رفع شعارات ومطالب عديدة قصد الاستهلاك المحلي والمذهبي والطائفي ، لكنها سرعان ما أثبتت أنها مستعدة للتخلي عن مطالب الشارع وإدارة ظهرها له ، وتركه حائرا وسط متاهة الطريق في حالات من الإحباط والشرود والبلبلة واليأس.
وهذا الأمر بات معروفا وتدركه كل الاطراف التي غامرت بزج الشارع في أكثر من مرة إلى التظاهرات والاعتصامات ولكنها لم تطور ذلك الغضب الشعبي إلى حالة تمرد وطني شامل أو انتفاضة وطنية في عموم القطر أو إعلان عصيان مدني بإضراب عام يسقط السلطة غير الشرعية التي نصبها الاحتلال، ويشرع بالإصلاح للأوضاع ، سواء من داخل العملية السياسية ودستورها أو من خارجها ضمن نشاط جمعي ملموس لبعض القوى السياسية والاجتماعية التي ترفع شعارات المعارضة للسلطة القائمة ولكنها في ذات الوقت تعمل على صنع القطيعة والتضليل والتجاهل لوضع قوى المقاومة الوطنية، ان لم تتآمر عليها بالسر والعلن.
ولا بد من الاعتراف وبكل وضوح ان الجميع بات في مأزق تاريخي ، خصوصا ان بحر الدماء النازف في الشارع المنتفض، وفي جبهات محاربة داعش، وفي حالات التصدي لجبروت السلطة الدموية ومليشياتها، وسيادة حالة اليأس من أي حل سياسي ناجع لا يبدو له أي دليل ملموس في الأفق العراقي القريب والبعيد.
ومع ظهور مؤشرات وتغيرات سياسية دولية تعترف بأن حالة العراق الحالية ميئوس من إصلاحها ؛ بحكم ذهنيات تسلط لمافيات جاهلة ومتخلفة وظلامية يقودها رؤساء الكتل في المحاصصة ، وفي ظل تهديد مستمر لزعامة إقليم كردستان بالانفصال عن العراق، وفي المحيط تتصارع الأطماع الإقليمية من دول الجوار حول ثروات وأراضي ومياه إقليمية عراقية ، وتضخم أخطار وتزايد النازحين والمهجرين واستمرار سياسات التطهير والديموغرافي والاثني في مناطق عديدة من العراق، إضافة إلى مسار الأحداث في العراق بزيادة التسلط الإيراني على كل مفاصل الحياة في العراق واحتمال المواجهة الأمريكية الإيرانية المرتقبة، كما يلوح بها الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب .
كل ذلك بات مصدرا مقلقا، لا على امن العراق ووحدته فحسب؛ بل يتعداه إلى مخاطر الإضرار بالسلم والأمن الإقليمي والعربي والدولي، ولهذا لا بد من مراجعة وطنية ودولية شاملة لإيجاد حل نهائي عادل للقضية العراقية .
ولا شك ان التظاهرات الواسعة في العراق بشتى شعاراتها ومطالبها تعبر عن إرادات لقوى عراقية، وفي اغلب مطالبها الشعبية تبقى مشروعة ، ولكنها لم ترتق في تحضيراتها وصياغات شعاراتها إلى هدف بناء الوحدة الوطنية المنشودة المؤمنة بان الحل في العراق ليس مرتبط بوضع وإدارة ما يسمى بالمفوضية المستقلة للانتخابات ولا حتى في إجراء الانتخابات نفسها، ولا بشكل الحكومة والنظام السياسي القائم في العراق برمته؛ بل يرتبط أساسا بالتغيير الشامل لكل تركة الاحتلال الأمريكي وأخطائه الجسيمة بحق شعب العراق، وفي مقدمتها إلغاء العملية السياسية ودستورها برمته.
وإذا كانت السلطة القائمة تلوذ إلى المسكنات والمهدئات تارة من خلال توزيع الإتاوات والمحاصصة والوزارات وإدارة الصفقات المالية المشبوهة ، فإنها كشفت وبشكل جلي ان هناك حكومتين في العراق، واحدة يديرها حيدر ألعبادي وأمامها ومن خلفها تكمن أصابع وإدارة حكومة ظل يقودها المجرم نوري المالكي، مستندة على الدعم الإيراني المسلح المباشر، ونفوذ المليشيات المسلحة، وهي عصابة مافيا تمتلك اليوم المال والسلاح والغطاء المذهبي والديني، مستعدة ان توجه كل نيران أسلحتها ضد خصومها ، عربا وكردا وتركمانا، وتجد في الحشد الشعبي والحرس الثوري الإيراني الأدوات الضاربة لكل تحرك سلمي أو مسلح يهدد امتيازاتها وسلطتها وما مناورات الانتخابات والتمسك بشعارات سلطة الأغلبية الطائفية إلا غطاء وقحا للاستمرار في نهب وتدمير العراق.
وللعودة إلى السؤال المطروح: ما العمل؟ ونكرره هنا مرة أخرى ثانية وثالثة ورابعة: ما العمل؟.نرى ما يلي:
• ينبغي تعديل مسارات العمل السياسي والجماهيري المقاوم في العراق بتوطيده عبر تشكيل جبهة وطنية عراقية واسعة تضع قضية تحرير العراق بكل الوسائل الممكنة في أولويات أهدافها، ولا بد من مبادرات فورية لا تخضع للحسابات والتطلعات الفردية والفئوية والظرفية لبعض الزعامات المستهلكة وطموحاتها غير المستندة إلى واقع اجتماعي وسياسي يؤهلها للقيادة الفردية ، وللأسف فان هذه الزعامات باتت تعمل على تأخير فرص لقاء القوى الوطنية في العراق والعمل على تشكيل مجلس وطني عام للتحرير، تتمثل به كافة الفصائل والقوى والأحزاب والشخصيات المؤمنة بتحرير العراق والخروج من حالة التشرذم والتنافر ومنع اللعب الخبيث في قبول ادوار مشبوهة تطلبه منها بعض الدول الإقليمية العابثة بمصير العراق.
• في حالة تفعيل ضغط الشارع وتظاهراته المطلبية والسياسية لا بد من قيادة معلومة وواضحة تعمل على التنسيق والعمل المشترك ميدانيا من دون إقصاء أو تهميش أو تجاهل لأي فرد أو فصيل أو حزب أو جماعة أو طاقة عراقية وطنية لتطوير التظاهرات الشعبية وتجنيد الغضب الشعبي العارم وتطويره نحو انتفاضة وطنية شاملة.
• العودة إلى تطوير فعاليات العمل الوطني العراقي المسلح والمقاوم للحد من مظالم وقمع واستهتار المليشيات غير الشرعية والحشد الشعبي التي فرضها عنوة الحرس الثوري الإيراني والعمل على استهدافها بكل السبل، كونها ليست ذات صلة بالجيش العراقي أو بمؤسسات الدولة الأمنية المطلوبة لحماية الشعب والممتلكات العمومية ، فهي هيئات وتشكيلات إرهابية لا تختلف عن داعش وأخواتها، ولا بد من إدراجها ضمن المنظمات الإرهابية في العالم والعمل على حلها وتصفيتها بشكل كامل.
• التوجه بشكل موحد إلى حكومات البلدان العربية والجامعة العربية والأمم المتحدة للحصول على الاعتراف الرسمي بجبهة المقاومة الشعبية العراقية ودعمها عربيا ودوليا وتمكينها من إيصال صوت الشعب العراقي إلى العالم.
• عقد المؤتمر التوحيدي للقوى الوطنية العراقية، والعمل على عقد مجلس وطني موحد لها ، والعمل على التفكير الجاد على تشكيل حكومة وطنية عراقية في المنفى معترف بها عربيا ودوليا ؛ ان لم يُبادَر وبأقرب الآجال إلى تشكيل حكومة انتقالية عراقية مكونة من التكنوقراط والمستقلين تقود البلاد بمشورة مجلس تأسيسي وطني لفترة محددة، توضع لها خارطة طريق محددة بآجالها ومواعيدها لوضع دستور جديد للبلاد وتصفية وضع تشكيلات الجيش العراقي ووزارة الداخلية والأمن الوطني، بما يكفل حيادها ومهنيتها واستعدادها للدفاع عن العراق وحماية جماهير الشعب وإلغاء كل مظاهر التسلح للمليشيات الطائفية والاثنية، ومظاهر الانفلات الأمني لضمان عودة السلم الاجتماعي تدريجيا وإطلاق سراح المعتقلين وعودة النازحين والمهجرين وضحايا التطهر والديموغرافي وإلغاء كافة قرارات التعسف التي أقرتها وشرعتها حكومات الاحتلال وهيئاتها الفاشية والقمعية كهيئة اجتثاث البعث والنزاهة والمفوضية العليا للانتخابات وغيرها من الأغطية والمؤسسات القمعية المشبوهة لسلطات المنطقة الخضراء.

قيم الموضوع
(0 أصوات)