ardanlendeelitkufaruessvtr

الشاعر حميد سعيد و ( البوح عند جدران أوروك) 

بقلم  الدكتور صباح ناهي تشرين2/نوفمبر 24, 2022 64

 

الشاعر حميد سعيد و ( البوح عند جدران أوروك) 

 

 الدكتور صباح ناهي

 

لمناسبة صدور عمله الجديد.

(  يلجأ حميد سعيد إلى التاريخ الموغل في عراقيته، ظاناً أن العالم، الذي يعيشه هو نتاج ذلك الواقع، الذي عاشه كهّانه السبعة في أور، من خلال قراءة: ( تخطيطات بالفحم والدم على جدران المتحف العراقي، قصيدته)، الذين لم يجدهم في بابل،

 قرب مدينته، الحلة، التي ولد وترعرع فيها وشهدت ملاعب صباه، وشّم رائحة جدران معابدها القديمة، من خلال قربه من بوابة عشتار أو طوافه في شارع الموكب، كما في تخطيطاته بالفحم والدم.

لكنه اختار سومر موطناً لنشيجه المتدفق، وهو يراها تخبو وتتراجع تحت أقدام الغزاة، الذين أوغلوا في موتها، كما هي معادل لموت عاصمته بغداد، التي أحبها أكثر، من بين مدن التاريخ كلها، التي عرفها، والتي أسقطت وهو في ريعان شبابه وقوته، إذ اعتاد المفاخرة بمتحفها يوم كان يزوره الأدباء العرب من كلّ حدب وصوب، ويزهو في جولاته حول قاعات المتحف الوطني العراقي المليء بالآثار والتاريخ المجيد وبما ليس لديهم ما يضاهيه أو يشابهه.

يجمع العصور كلها ومنجزات الأزمان، التي مرّت على العراق، وما كان يوماً، هو وجيله كله، يظن أنه سيحرم من الطواف في شوارع مدينته، التي اعتاد أن يذرعها كل يوم، مزداناً بتاريخ وطن وتجربة مكنته أن يكون رئيس اتحاد أدباء العراق، هذا الوطن الاستثنائي، فقد اختار المتحف ليكتب فوق جدرانه ليستعير الأزمان منه ويحاكيها، فهو يفاخر أنه يضمّ أول ملحمة أدبية في التاريخ، قبل خمسة آلاف سنة، في الوركاء، التي لا تبعد كثيراً عن سومر، مهد ذاكرته، وبابل، مدينته، التي عُدّت إحدى عجائب الدنيا السبع.

لكن السفن جرت بما لا يشتهيه السفّان ومياه كثيرة جرت تحت جسور بغداد، التي سكنت قلبه وسلبته روحه وعاش من أجلها، لا ليفارقها بزمن غادر قسري متغوّل انتزعها منه، ولو موقتاً، لكن حميد سعيد، الإنسان والأديب، ظل يتشرّبها، كل يوم، حتى عقده الثامن، الذي فرض عليه أن لا يراها معاينة، وصارت ذكرى حزينة وأمنيات قاسية لروحه، بل لجيله كله ممن غادروها قسراً، وأخرجوا من ديارهم قتلاً وتنكيلاً.

غير أن وقع فراقها واحتلالها كسر في داخله الكثير من الكبرياء وأجج مشاعر الوحشة والخذلان، من دون إعلان منه، ومن جيله المسيس بثقافة التحدي والمطاولة وتشرب الوطن وكأنه رحيق أبدي لقلب الشاعر، الذي يبث لواعجه على جدران المتحف العراقي، يحاكي سبع حكايات أشاعت عمراً وأمنيات، وخلفت لواعج في تخيل الفزع في العالم، الذي عاشته أوروك وهي تلج جحيم عالمها السفلي حيث ممالك جند الحقد والانتقام ومعاول الهدم لجدران معابدها المقدسة على يد لصوص وسراق انتهكوا حرمة مدينته الآفلة، كناية عن بغداد عاصمة فتوته وقبس مخيلته، وهو يرى الغزاة من جديد ينتهكون حرماتها وينهبون متحفها ويجولون كالتتار عاصمتها، وهو لا يملك سوى أن يصفهم "بقايا مستعمرات النمل والوحشة والغياب".

ولكن الفارس فيه ينتفض دوماً ويستعير ملحمة الخلود السومرية من أوروك، التي يقدم منها أنكيدو الصديق والمناصر لجلجامش، وقد ارقه سر الماء والموت والخلود، يقف ليستعيد ما خطفه خمبابا الكائن الأسطوري، الذي يحول دون شجرة الخلود في الملحمة، ورحلته المثيرة في التاريخ الأسطوري في بواكير الوعي البشري في أرض ما بين الرافدين ووداعه لصديقه القوي أنكيدو، لكن وداع حميد سعيد كان أكثر لوعة حين تنقلب أسطورة الخلود ليس بموت أنكيدو، الذي يرافق جلجامش إلى مزرعة الأرز، بل تحول الأسطورة بتراكم المأساة، عند مقتل بطلها، الذي نصفه إله ونصفه الآخر بشري، البطل جلجامش.

ويبقى أنكيدو يصارع الزمان وقسوة المكان في مفارقة عجيبة تجسد هم الشاعر وأساه وانقلاب نتيجة الأسطورة إلى مأساة أكثر ألماً وخسارة وأكثر مرارة، حين يموت صاحبه ورفيق رحلته، الذي أودعه أسراراً لم يقلها لغيره إلا نادراً، ليظل حميد الشاعر الإنسان يكابد مشقة العودة إلى ملاعب صباه ولكنه يخشى أن يراها مجردة من زهوها، يحكمها الغرباء ومن دون صاحبه، الذي قتله الغزاة ولم يبق منها سوى نشيج (النار والرماد) ومرثية سوداء يرددها عند أسوار بابل من بعيد، مستذكراً رحلته مع السياسة والأدب الصحافة والناس والثقافة والشارع، ومئات الوجوه من رفاقه الراحلين، وله معهم حكايات بدأت من الحلة إلى بغداد إلى المهجر القسري، إلى عالم آخر جاحد ظل ينظر إلى جيله بنكران جميل، وضاقت الأرض عليه ورهط من رفاقه، الذين ما كانوا يظنون، مطلقاً، أن الموت ممكن أن يتجرأ على الثوار، الذين ولدوا فرساناً وظنوا أن موتهم لا يمكن أن يكون إلا على صهوات الخيول مدافعين عن أوطانهم.

عالم حميد سعيد الأديب والكاتب والإنسان لا يمكن أن يختزل فوق (جدار متحف) أو على دفتر ديوان شعري صغير يتلهى بقراءته عاشقو الشعر، لأنه أعمق من القصائد كلها، التي أنتجها في زمن اللوعة والضيق والتوجس والانتظار، وهو يقف مذهولاً عند تاريخ مدن وحكايات وطن وطموحات شاعر ووقفة قائد طلابي ورئيس فيلق الأدباء والإعلاميين يوماً، يرى الآخرون فيه منتج التاريخ والشاهد الذهبي على رحلة بناء أمة ونسيج وطن مضمخ بالدم ومليء بالأمنيات التي لم تتوقف.

محنة الشاعر فيه كيف يفضي إلى عوالم السياسة، التي رافقت اقتحاماته ورسمت حياته، مذ أول قطعة كلاشنكوف نصف أخمس، حملها ليسجل أنه ثائر على الظلم والعسكرتاريا، وطني ويكتب تاريخ أمة ويسجل أحلام وطن بعمق حضارات يدركها وتعيش عوالمها في وجدانه ومخيلته. عوالم تتشابك فيها سيوف الفرسان وتتلاقى الأحداث وتخبو الوجوه وتتعالى أصوات الخيانات والخذلان لرفاق تساقطوا عند أسوار المدن الآفلة، يكتب حميد سعيد، مع الألقاب كلها التي يحملها بجدارة، عن وطن، وتجربة عاشها كلها وكان شاهداً لا يبارى، خاض معارك شتى مدافعاً عن الناس والحقيقة متصديا للظلم والقسوة برقة قلب الشاعر وهمة المقاتل، متصدراً مشهد حامل راية جلجامش وكأنه يخترق مزارع الأرز ليقتل خمبابا، الذي دمر مدناً كان من الاستحالة اختراقها وسقوطها، بعد نكبة السقوط الأولى أيام سقوط بغداد على يد المغول، ليشهد حميد سعيد وجيله تساقط المدن والناس وخيانات أخرى لا تغتفر وما عليه سوى تمثل الصبر والإيمان بأن السياسي، الذي يحمل قلب شاعر تنجبه التحديات من جديد ليواصل إبلاغ رسالته أن الأشخاص مهما كانوا أقوياء يموتون وتبقى الأوطان حية لا تموت لأن قدرها المجابهة.

لعلي استحضر صورته وهو يجلس بين أحبته في اتحاد الأدباء أو في حلقات الشعر أو في مكاتب الصحف، التي ترأسها، حين كان له القدح المعلى في الرأي والمشورة. أتلمس مأساته وهو يرى مزوري التاريخ الذي كان شاهدا عليه ويسمعهم، شاهد فخم بحجم حميد سعيد يعرف تفاصيل رحلة نصف قرن من الأحداث، التي عاشها العراق يتقدم الصفوف وله مواقف لا تنسى في ذاكرة جيل كانوا يجدون فيه ذلك الفارس، الذي لا مناص من معرفته والوصول إليه وقت المحن وحين تدلهم الخطوب عليهم فيجدون في وجهه المشرق ما يبشرهم بإطفاء ما عليهم من غضب السلطة حين يشاكسونها أو تختلف معهم، فهو موضع ثقة الجميع في النسغين الصاعد والنازل معا.

وحين أريد عقد مقاربة مع رموز الثورة البلشفية، الذين سبقوا تجربته ورفاقه لا أظني أجده يحذو حذو لينين في بناء التجربة البلشفية وينظّر لها، فهناك من يشغل ذلك الدور، ولا مع تروتسكي باني روح الثورة وخطيبها ومنظرها، ولا مع إرادة ستالين، الذي أحرق مدناً لينتصر في الآخر ويخسر شعبه، لكني أبحث عن مكسيم غوركي الكاتب وضمير الثورة ومنظرها، الذي تلمس روحها واعترض على سياستها وتوجهاتها، وتغليب ستالين لرفاق قساة لم يتحملوا وجود المفكرين الليبراليين، الذين يجدون في الغلو الثوري ما يتقاطع مع إنسانية الثورة وهدفها السامي بوصفها تسعى إلى بناء الإنسان من الداخل ليبقى مدركاً لقيمة الدعوة إلى التغيير المنشود.

إني أعتب على حميد سعيد، كما يعتب جيل واسع من أمثالي، لأنه لم يخبرنا، وهو في الدور المقرب من التجربة، من كان وراء تلك النتيجة المأساوية المحبطة، التي انتهت بتحريض العالم الأول على دولة في العالم الثالث لم تستكمل بناءها بعد وكانت أمل الشعوب المتطلعة للحرية كلها في أن تكون نموذجها.

ادعوك يا أبا بادية أن تقول لرفاقك وشعبك: من يقف وراء تلك النتيجة المخيبة، التي أسقطت وطناً ودولة بحجم العراق ونوعه؟

دكتوراه إعلام -

 باحث وأكاديمي عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه