ardanlendeelitkufaruessvtr

الصمت وثمانينية شاعر مختلف

بقلم سلام الشماع حزيران/يونيو 20, 2021 161

الصمت وثمانينية شاعر مختلف

 

سلام الشماع

 

مرّ شهر أيار الماضي بصمت، برغم أنه كان مناسبة ولوج شاعر عراقي استثنائي، هو حميد سعيد، العام الثمانين من عمره المديد، حتى أصدقاؤه المقربون لم يقدموا له تهنئة بالمناسبة.
ستستغربون، وأنا أخبركم، الآن، أني، برغم العلاقة المتينة، التي ربطتني بالشاعر الكبير حميد سعيد، منذ ما قبل الاحتلال، والتي ازدادت متانة، بعد الاحتلال، لم أكتب عنه سطراً واحداً، عدا المواد الاخبارية وعروض الكتب والمواد الثقافية، بحكم عملي الصحفي، وتلك، كما اكتشفت، الآن، ورطة كبيرة، وبالتأكيد، لن أتكلم عن الجانب الشعري، فتلك ليست مهمتي، إذ لا أعدو عن أن أكون متذوقاً للشعر، تبهرني بعض قصائد حميد سعيد، التي أسعدني الحظ في الاطلاع عليها وتذوقها، ويدهشني أسلوبه الشعري المختلف عن الآخرين، والذي شكل له هويته الشعرية الخاصة، وعندما أقول بعض قصائده، فلأني لم أقرأ جميع شعره ولم أتابع تطوره ومراحله، لذلك أترك هذا الجانب لتلول الكتب والمقالات، التي كتبت عنه، نقداً أو إطراءً.
بهذه المناسبة، قرر الثمانيني البروفيسور عبد الستار الراوي وأنا، على إصدار موسوعة ضخمة عن الشاعر تضمنت مجلداً لما قاله الأصدقاء فيه، وآخر شهادات الأدباء والنقاد وكبار الشخصيات به وبشعره، وثالث جمعنا فيه الحوارات جميعها التي أجريت مع الشاعر طوال حياته المديدة، أما الرابع فضمّ جميع الدراسات والبحوث التي كتبت عن تجربته الشعرية، مع إشارة إلى خمسين كتاباً صدر عن هذه التجربة، إلى الآن، والطريف أننا لم نعثر خلال تقصينا وبحثنا إلا على ثلاث مقالات في الهجوم عليه، ولم نثبتها لعدم موضوعيتها.
اقتربت من حميد سعيد، كثيراً، بعد الاحتلال، في منفاه الاختياري في العاصمة الأردنية عمان، والاقتراب منه وملامسته في أفكاره وما يريد ليس سهلاً، وبعض من يحف به، لا يحفّ به كونه شاعراً أحدث تغييراً في الشعر العربي الحديث وجغرافيته، بل يحفّ به متجملاً بالجلوس معه، تجذبه شخصيته وأخلاقه العالية.
حميد سعيد ليس شاعراً فقط، بل معلم ماهر أيضاً، لا يصدمك إن أخطأت أمامه في معلومة أو معنى كلمة، وابتكر أسلوباً لدفع الاحراج عن المخطئ، إذ يقول له: ربما يكون رأيي خطأ ورأيك صحيحاً، ولكن لنراجع العلامة الفهامة (كوكل) ليحسم الخلاف بيننا ويدلنا إلى الرأي الصحيح.
وهو كريم معطاء، ليس في ما يختزن من علم جم، فذلك تحصيل حاصل، ولكنه كريم معطاء في ما يملك من مال، وهو إذ يحس بحاجة قريب أو بعيد، ولكي لا يشعره بالحرج، يأخذه جانباً ويقول له: أنا فقير مثلك لكني أمتلك في جيبي مالاً سأتقاسمه معك، ثم يخرج كل ما يملك في جيبه ويتقاسمه مع المحتاج فعلاً، وهذه السرية في العطاء جعلت بعض من حوله يرميه بالبخل، وهو عن البخل بعيد، بل إنه لا يكره البخيل، لكنه يكره صفة البخل، وطالما سمعته يردد قولاً هو إن البخيل، وإن كان غنياً، يستحق الصدقة والعطاء، لأنه يحرم نفسه.. أفرأيتم أخلاقاً تسمو على هذه الأخلاق؟
ذلك هو حميد سعيد، لا كما عرفته، إذ مازال في حديثي متسع كبير، ليس هنا محل إيراده.
وإذ يبلغ حميد سعيد الثمانين من عمره المديد فإنك لا تشعر حين تجالسه إلا أنك تجالس شاباً مازال في مقتبل حياته، وذلك نابع من كونه يتابع بشغف ما يستجد في الحياة من أخبار وعلوم، دعك مما يختزنه من علوم تراثية مذهلة تصل إلى الغناء والأمثال والشعر، حتى العامي منه.
يستحق منا حميد سعيد، وهو يلج الثمانين من عمره المديد، ألا نبخل عليه بتحية حب ووفاء لقاء ما قدّم للعراق وهو كثير وكان الأولى باتحاد الأدباء العراقيين واتحاد الأدباء العرب اللذين قادهما في حقبة من الزمن أن يبادرا إلى توجيه هذه التحية، على الرغم من أنه عندما قدم للعراق والأدب العربي ما قدم لم ينتظر
من أحد جزاء ولا شكورا.

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It