ardanlendeelitkufaruessvtr

ذكرى الشهيد سعدعزالدين الراوي ( العملية ) التى قادها في منطقة ( الكركار )

ذكرى الشهيد سعدعزالدين الراوي ( العملية ) التى قادها  في منطقة ( الكركار )
 
.. قبل انقضاء العام 1949 بليلة واحدة ، ولد سعد عزالدين الراوي وإنضم إلى دربونة ( زنكو) ، وأمضى أول أيام طفولته في الكرخ ، قبل أن يعبر جسر الشهداء إلى كوكب الرصافة .
لازمته في حياته ثلاث هوايات:
الأولى : ولعه الشديدة بالألعاب الرياضية، الناعمة ، والخشنة ، من التمارين السويدية الى حلبة الملاكمة ، وفي الخامسة عشرة أنشأ مع فتيان محلة ( النصة ) بالأعظمية فريقاً لكرة القدم .
الثانية : شغفه اللامتناهي بالخطوط التشكيلية ، وقد ظهرت موهبته الفنية في الخط في مرحلة التعليم الإبتدائي فمنذ أن تعلم أن يمسك القلم ويدون الابجدية ، لم يدع سطحا مستويا أو جداراً صقيلا إلا وأودع جزءا من روحه الابداعية في ثناياه ، ومامن دفتر من دفاتره المدرسية الا وحمل بصمات من خطوطه ورسومه ، وإستطاع بهذه المحاولات التجريبية الحاذقة تنمية مهاراته الفنية وتطويرها ، فابتكر تكوينات زخرفية وجمالية ملأ بها جدران الدار .
الثالثة : مطالعاته الأدبية وعشقه للروايات والسرد القصصي ، كان لهذه الهواية الأولوية في حياته اليومية، فقد إنشغل بقراءة عشرات الروايات العالمية والنصوص المحلية والعربية ، وإقتننى منها الكثير ، الى جوار مكتبة البيت العامرة بروايات الجيب والهلال ، وغيرها . وقد زوده ابن خالته المبدع الراحل الدكتور خالد حبيب الراوي بكم وفير من مقتنياته الابداعية وقد ساهمت هذه الهواية في بنية ثقافية متماسكة ؛ مستشعرا الوزن النوعي للكلمة من حيث الدلالة والمعنى والارتقاء بجمالية العبارة ؛ وقد تبدى ذلك واضحا في تحرير رسائله وفي أسلوب كتابة يومياته ـ
في الثامنة عشرة بدت عليه بوادر التمرد ، فهجر الثانوية وتوقف عن مواصلة التعليم ، ولم تعد أي من هواياته الثلاث ، تشبع روحه المتأججة بأي إهتمام آخر سوى ( المقاومة الشعبية الفلسطينية ) فاعتزل الرياضة والخط التشكيلي والحكايا، وبدأ يتابع كما كان حال جيله العمليات البطولية في فلسطين المحتلة. فقد تطوع الكثيرون خلال تلك الفترة من بينهم ؛ إبن عمه (محمد عبد الجبار الراوي) والدكتور خالد نفسه انضم إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، وعهد اليه بمسؤولية الأبواب الأدبية لمجلة الهدف العام 1969 ـ
تحول سعد إلى رومانسية ( أدب الثورة ) و ( ثقافة المقاومة )، وفرض على نفسه نوعا من العزلة ، في محاولة البحث عن ( الذات ) أو عن ( الحقيقة ) ، وربما عن الأثنين معاً ، وإرتقى بتأملاته إلى ما وراء الانشغالات العادية والاهتمامات الصغيرة ، وكان أول مظاهر ( الاعتزال ) و( الإغتراب )، هو التمرد على الواقع، فتنازل عن دفاتره المدرسية وعد الثورة على ( الذات) بوابة الحرية ، وفي ضوء فلسفياته هذه إختار العمل الشاق، عاملاً أجيراً في سوق الشورجة .
وهنا حاول سعد تطبيق أدبيات الثورة والمقاومة في هذه التجربة الفريدة والمدهشة التى كان يسعى إلى إعداد نفسه لتجربة كبرى ، من خلال اقتحام الحياة نفسها والأقبال على مشاقها ومعايشة التعب اليوميّ، فاختار أن يبدأ التغيير من داخل الذات ، ليعيد بناء شخصية الشغيل الكادح الحالم بعالم أفضل .
المغترب ، المتمرد. الكادح ، الوحدوي، كان يرى في الحسين وجمال عبد الناصر وجيفارا ، المثل الكفاحي الأعلى، وعلى طريق (الرومانسية المثالية) نفسها، كان يرى في السير النضالية مرئيات الحرية ؛ فشغفته حبا الملاحم التاريخية: ( كلكامش، انكيدو ، الامام الحسين ، عبد القادر الحسيني، عمر المختار، جان دارك ، هوشي منه،) فهؤلاء جميعا كانوا يبحثون عن الطريق إلى الحقيقة ، كل حسب رؤيته وعصره ،
يقول في مذكراته : إن العمل اليومي في سوق الشورجة ، علمه حكمة المحبة ، فتعرف، خلال هذه التجربة ، على معان كانت غائبة أو بعيدة عن عقله ووجدانه ، عندما أدرك أن الانسان هو العالم الكوني كله ، بهذا القدر العميق من الوعي أنشأ معنى جديدا للصداقة فآمن أن كل واحد من رفقته الشغيلة ( الحمالين والفقراء والكادحين ) يمثل نجمة وضيئة في سمائه ورمزا للبطولة الانسانية ، فهؤلاء كانوا مثلا أخلاقيا راقيا في الصدق النفسي يعملون بإخلاص شديد وتفان لانظير له، هنا في سوق الشورجة تكتشف الكثير من الحقائق المنسية ، مامن أحد من الكتاب وأئمة السرد أطل أو اقترب يوما من (المعنى) أو أدرك قسوة الاشغال الشاقة لهؤلاء البؤساء الذين صنعوا زمنا مهيبا من مطلع الشمس حتى مغيبها ، ليحملوا في أول الليل لصغارهم خبزا وحلوى ـ
أمضى سعد ثمانية عشر شهرا في سوق الشورجة العتيد ، كان يدرب نفسه ، وقتئذ ، على فضيلة التحلي الصبر ونحمل الشدائد ، وجرب مغالبة الاحمال الثقيلة على ظهره ، وأن يشق طرقات السوق بعربة الحمالين، إلى أن تذوق معنى الكدح ، عندها فقط أيقن أنه أتم تدريبه الذاتي ، فودع السوق ومضى ـ
يتحدث في يومياته ( عن المقايسة بين الحلم والواقع ) فيقول: .. (( .. بعد أن فارقت الشورجة ورفقتي الطيبة ، وبعد أن أمضيت جزءا من حياتي كنت صديقا للعاملين فيها ، قررت أن أضع خطوتي التالية في المكان المناسب ، فالثورة ، ولاشيئ سواها ، والمقاومة هي الوسيلة المتاحة لاحداث التغيير لاستعادة (الهوية) للمضي نحو حرية الاوطان ، قد يكون الغد محض حلم لكن حرارته توقظ العقل من غفوته وتعيد للروح نضارتها وتجعلها يقظة ، لإنطلاق (الحقيقة) من داخل الذات لا من أي مكان آخر، إنها لحظة الحدس الخالقة والأعظم تأثيرا من فعل ( الحواس الخمس) ومن ( التجريدات الميتافيزيائية ) ، إنها أشبه ما تكون بالعاصفة المضيئة القادرة على تعيين زمانها ومكانها لتصويب جهة الهبوب ؛ فتشتق جدلياتها الخالقة من النقائض والاضداد ( الحلم والواقع ، والشعارات والتاريخ . الارهاب والمقاومة) ، قوانين أخرى للحركة .. إن مثل هذه الجدليات النازلة إلى الواقع لن تتحقق بمعجزة، فلا الدعاء ولا التمنيات ، ولا القدرية المتعالية يمكن أن تشق الطريق إلى المستقبل ، والبديل الوحيد هو الثورة على الإحتلال ، أي (علم تغيير ماهو كائن إلى ماينبغي أن يكون) وحدها الثورة القادرة على خوض معركة الاضداد)) ، وهكذا اختار سعد المقاومة الفلسطينية، وأنضم إلى صفوفها ـ
حدثنى الراحل مفيد شياع العزاوي الذى كان يشرف على معسكر تدريب الفدائيين من المتطوعين العراقيين ، أن المناضل سعد ، أنجز دورة اللياقة البدنية ، وبرامج الفنون القتالية في مدة وجيزة تعد قياسية بالنسبة لرفاقه الآخرين ، وبفضل وعيه الثقافي وتوقه إلى العمل الفدائي ، وبوصفه رياضياً إختزل التوقيتات الزمنية... وأنجز بالهمة ذاتها مهام قتالية نوعية خلال ستة أشهر من تاريخ إلتحاقه بميدان العمليات العسكرية في الارض المحتلة ،.
فعهد إليه بعد مرور أقل من سنة بقيادة مجموعة فدائية عرفت باسم مجموعة (سيف الدين هاشم ) وهو الأسم الذى إختاره لنفسه وعرف به حياً وشهيداً . وكان من تقاليد هذه المجموعة الفدائية تثبيت علم فلسطين في رقعة المواجهة وعقب إنجاز أى من العمليات القتالية ضد العدو الصهيوني .
خلال زيارتي إلى بيروت ربيع العام 1974 ، إلتقيت أحد رفاقه ، وكان يعمل ضمن مجموعة سعد القتالية ، حدثنى عن ( العملية ) التى قادها سعد الراوي في منطقة ( الكركار ) عقب ( العشاء الأخير ) في مساء 31/7/1969 قال : " .. بعد أن تم تنفيذ الأهداف القتالية بالكامل ، إمتلأنا بنشوة النصر ، ونحن نردد في طريق العودة إلى قواعدنا نشيداً عراقياً ثورياً :
يا أمنا كفي الدموعا
وانتظرى لي رجوعاً
فإن ذهبت شهيداً ..
نادي بلادي بلادي ..
هيا فتوة للجهاد ..
فجأة وخلال دقائق معدودات حاصرتنا كتل نارية العدو ، تغير الموقف وانقلب الحال ، فإنهالت علينا حمم المقذوفات تنطلق من الارض وأخرى من الجو؛ قنابل وصواريخ ، وتعددت مصادر النار من الجهات كلها ، .. المواجهة مع قوات العدو الصهيوني طبقا لتقدير الموقف الميداني أمر مستحيل ، فقوته تفوق قدراتنا الذاتية ولن يجدي سلاحنا الخفيف في حالتي المواجهة أو الصمود، فالكثافته العددية للعدو ومابحوزته من سلاح ثقيل، يحتم علينا وضع خطة للإنسحاب بأقل قدر ممكن من الخسائر ، ووجدنا ان لا خيار أمامنا، سوى التفكير بايجاد وسيلة للانسحاب من ميدان المعركة ، وإن لم نستطع ، فليس من خيار أمامنا إلا القتال حتى الموت.
وعلى عجل أعد سعد عزالدين الراوي (بوصفه قائد المجموعة) ، تقدير موقف، يقضي بمشاغلة العدو، والعمل على تضليله عن طريق توزيع مصادر النار، والإنتشار في حقول ( القطن ) فى المنطقة المعروفة باسم (الكركار) .
تواصلت المعركة وقتاً بدا كما لو كان دهرا ، كاد فيه العدو أن ينال منا ، وفي تلك اللحظة المضطربة ، التي بدا فيها الموت يسرع بخطاه نحونا، في هذه اللحظة أصيب سعد الراوي بجراح فاغرة ، لم يعد معها قادراً على الحركة ، فقد مزق رصاص العدو جسده ، وفي النزع الأخير رفض إخلاءه وحث رفاقه على الإنسحاب بسرعة ، وبدأ يردد " الشهادة " .
وطبقاً لرفيقه مفيد العزاوي " .. فإن سعد عزالدين الراوى، الذى عرف باسم سيف الدين هاشم ، أبدى شجاعة فريدة وكان في آخر معاركه كما كان في المعارك الاخرى شهماً وشجاعاً وعنوانا للإيثار "ولذلك أصدرت منظمة التحرير الفلسطينية بيانا مستقلا عن معركة الكركار وعدت سيف الدين هاشم (سعدالراوي) مثلاً عربيا في التضحية والإيثار " ..
وفي الذكرى السنوية الاولى لاستشهاده ، اصدرت منظمة التحرير الفسطينية في يومياتها القتالية ــــ عبر مركز الدراسات التابع لها في بيروت ــــ تفاصيل معركة الكركار يوم 31 تموز / يوليو 1969 بقيادة سعد عزالدين الراوي، واعتبرته من طلائع الشهداء العرب ، كأول عراقي قضى ( داخل الاراضي الفلسطينية المحتلة في منطقة الكركار). وتزامن معه استشهاد العراقيين سعد البياتي وكمال الدين السراج
وفي عام الذكرى الاولى نفسه أصدر مكتب فلسطين في بغداد عام 1970 كراسا خاصا ، بعنوان (الرفيق سعد عزالدين الراوي بطل معركة الكركار في فلسطين المحتلة) ؛ استذكر فيه عدد من رفاقه المقاتلين مآثره الإنسانية وبطولاته الميدانية في معارك العمل الفدائي داخل فلسطين المحتلة . وأشادت به المنظمات الفلسطينية الأخرى ، بوصفه أول فدائي من العراق يقدم حياته من أجل حرية فلسطين. فيما ظل دور( إبن زنكو ) الكرخي، حاضراً في ذاكرة الثورة الفلسطينية وفي لوحة الشهداء الأوائل ..
ولسنوات مديدة ظل غياب الفتى الشهيد ذي العشرين ربيعاً ، جرحاً غائراً في قلب العائلة وفي ذاكرة ووجدان كاتب هذه السطور الذى جرب لاول مرة في حياته معتى الرحيل الأبدى . وللأسباب ذاتها أو بكيفة أخرى ، أصبح يقيناً راسخاً في عقلي ووجداني ، بأن الموت الذي قال عنه الفيلسوف أبو يعقوب الكندي في رسالة ( الأحزان ) بأنه الأشد إيلاما في النفس ، لكنه أيضاً ليس به حاجة إلى عناء البرهان بوصفه بديهية من بديهيات الوجود ، فنحن كما يقول سارتر مرشحون للرحيل في أي لحظة ، أسماؤنا مرقومة منذ الولادة على لائحة انتظار الموت ، فيما تبقى الذكرى تلقي ظلالها مرة على القلب ومرة على العقل ، وثالثة على الطريق الآتي من الغد .... . أمي مليكة حمادي هي الوحيدة التي بقيت ترقب الطريق حالمة بالعائد من أرض الموت، ومنذ العام 1969 وحتى رحيلها عام 2009 كان قلبها الامومي يحمل أملا بأن يعود نجلها من غيبته الطويلة ويطرق باب الدار ـ
***
بعد الإنتهاء من ( العشاء الأخير ) وقبل الشروع في عمليته الأخيرة في ( الغور الشمالي ) بقلسطين ، أثر سعد الراوي أن يكتب ( وصيته ) .
" بسم الله وبسم العراق
أرسل سلاماً لأمي وأبي وإخواتي واخواتي وللأهل والأصدقاء .
سلاماً لمرابع الطفولة في الكرخ ، وتحية إلى الاعظمية ، الأرض والأصدقاء . الدعاء والرضا والمحبة التى حظيت بها هى زادي ومعادي في رحلتى للعالم الآخر . إن إيماني بعروبتى وبقضية فلسطين يعادل إيماني بوطنى العراق وولائي لكل ذرة تراب في أرضه . لأننى اعتقد بأننا جزء لا يتجزأ من جرح فلسطين ، وما لم تتحرر الأرض العربية ، فإن الوطن العربي لن يتقدم خطوة واحدة تجاه المستقبل .
لن ألقي سلاحي إلا إذا أقعدتنى ( المنية ) أو تحقق النصر. وهو الطريق الذى إخترته بارادتي الحرة ورضيت به واقعا ومآلا " .
في الخامس من آب / أغسطس 1969 ، شيعت بغداد سعد الراوي على المستوى الرسمي والشعبي أول شهداء عراقي في الثورة الفلسطينية .. وانتظم في موكبه المئات من أصدقائه ورفاقه ومحبيه ، وكانت دربونة ( زنكو) و( الفحامة ) وصف مديد من الكرخيين في موكب الزفاف الأبدى ، وهم يتذكرون بفخر واعتزاز دربونة ( زنكو) وتأريخها الكفاحي المجيد ، منذ أن خرجت لافته الدم الحمراء في عام النكبة 1948 مدونة : " عاشت فلسطين حرة عربية " . وفي وثبة الجسر (بورت سموث) ..
وإثر نبأ استشهاده الذي نشر في الاهرام يوم 6 آب 1969 تحت عنوان (بغداد تشيع شهيدها ) . اقيمت مجالس العزاء في بغداد وراوة وفي مصر ، وفي مجلس العزاء الذي أقامه الصديق إدموند ايليا في شقته بالاسكندرية مازلت استذكر كلمة استاذنا الدكتور علي سامي النشار :
(.. لا تحزنوا على الشهيد ، سوف يبقى هذا الفتى حيا في ضمير شعبه وأمته) ...
وتخليدا لذكراه شيدت العائلة مسجدا في راوة حمل اسمه (مسجد الشهيد سعد عزالدين الراوي)ـ تولى الاشراف عليه أبي واشقائي عماد وعبد الكريم ويوسف ـ
ومن الدربونة نفسها تطوع مهدي عبد الجبار الراوي عام 1948 مقاتلا بكتائب المجاهدين العراقيين والعرب لتحرير فلسطين ، وعقب مرور عشرين عاما ومن أجل فلسطين ودفاعا عنها تنازل محمد عبدالجبار الراوي عن وظيفته الحكومية في بغداد ليصبح فدائيا ، فيمم وجهه صوب الارض المحتلة عام 1969 وعلى طريق الحرية جاء دور الشقيق الثالث المقدم الركن هادى عبد الجبار الراوي قائد (كتيبة قتيبة) ليقدم حياته فداء لفلسطين ودفاعا عن دمشق حيث إستشهد على الجبهة السورية في حرب تشرين 1973 . والأبطال الاربعة مهدي وهادي ومحمد وسعد خرجوا من دار واحدة ، ومن عائلة واحدة ، ومن دربونة العراق الكرخية (زنكو ).. والسلام على الغائبين ـ
 
د.عبدالستار الراوي
31 / 7/ 2021

 
قيم الموضوع
(1 تصويت)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It