ardanlendeelitkufaruessvtr

عودة محمد عثمان الميرغني إلى السودان تعزز الانقسامات

عودة محمد عثمان الميرغني إلى السودان تعزز الانقسامات

الخرطوم- حرك وصول زعيم الحزب الاتحادي الديمقراطي محمد عثمان الميرغني إلى الخرطوم الكثير من المياه السياسية الراكدة في ما يعرف بالأحزاب التاريخية، والتي عجزت خلال الفترة الماضية عن التأقلم مع مطالب القوى الجديدة المنضوية تحت لواء تحالف الحرية والتغيير بتقسيماته المتباينة، وبدت الهوة بين الجانبين وأطيافهما المختلفة واسعة حيال التعامل مع المكون العسكري.

وعاد الميرغني إلى الخرطوم بعد غياب لنحو عشر سنوات قضاها في القاهرة، على أمل أن يعيد اللحمة إلى الحزب الاتحادي صاحب الجذور التاريخية وبعد أن ضربته انقسامات عديدة الفترة الماضية.

ويقف جعفر والحسن ابنا الميرغني ونائباه في خندق سياسي مختلف، فالأول يؤيد الحركات المسلحة المساندة لمجلس السيادة وعلى رأسه الجنرال عبدالفتاح البرهان، بينما يقف الثاني مع القوى الراغبة في إزاحته ودعم الحكم المدني في البلاد.

وأسهمت هذه المفارقة في التأثير سلبا على مصداقية الحزب في الشارع، خاصة أنه يعاني من اختلالات هيكلية منذ فترة لم تمكنه من أن يكون رقما صحيحا في المشهد السياسي، وعلى العكس أوحت تصرفات قادته بأنها ماتت إكلينيكيا، حيث تجاوزها الزمن ولم تعد قادرة على التكيف مع التطورات المتسارعة.

وبدا انحياز الأب الميرغني واضحا إلى موقف ابنه جعفر عندما حطت طائرة الأول الخاصة في مطار الخرطوم، والتي جرى تجهيزها بمعرفة الرئاسة المصرية، ورفض النزول منها عندما علم أن ابنه الحسن ضمن مستقبليه، واشترط خروجه أولا.

ويشير هذا الموقف إلى أن زعيم الحزب الاتحادي الديمقراطي حدد موقفه المبدئي وأنه يساند ابنه جعفر المؤيد للمكون العسكري بقوة، وهو ما جعل قوى سودانية تتعامل مع عودته على أنها مساندة واضحة لموقف الجيش على حساب القوى المدنية.

وأصدر الحسن الميرغني بيانا كشف فيه ملابسات وصوله لاستقبال والده في المطار وأسباب خروجه، وحوى معلومات تؤكد أن هناك استهدافا متعمدا له من قبل القوات الأمنية السودانية التي أرادت مضايقته ومحاولة وضعه في منزل تحت ما يشبه الإقامة الجبرية لمنعه من الذهاب إلى المطار وحضور حفل استقبال والده، لكنه صمم على الذهاب وواجه موقفا محرجا من قبل والده.

وكشف بيان الحسن حجم الانقسام الجديد داخل الحزب الاتحادي الذي درج على إلحاق كلمة (الأصل) باسمه الرسمي للتأكيد أن هناك فروعا لا يعتد بها، وضاعف من الخلاف داخل طائفة الختمية الصوفية التي يمثلها الأب كرمز منذ حوالي ستة عقود، وتقلب على موائد أنظمة سياسية، تارة بمشاركتها في الحكم وأخرى بتأييدها عبر انخراطه في صفوف المعارضة.

وفقد الحزب التاريخي جزءا كبيرا من رصيده المعنوي السنوات الماضية جراء كثافة التناقضات التي عصفت بقياداته، وإخفاقه في التكيف مع الأحزاب والقوى الجديدة التي ظهرت عقب سقوط نظام الرئيس عمر البشير، وعدم قدرته على مبارحة خندق موالاة السلطة، بصرف النظر عن هويتها السياسية.

وبدا استقبال الآلاف من السودانيين المنتمين لطائفة الختمية مصطنعا إلى حد كبير ومرتبا من قبل المكون العسكري لإظهار التأييد للميرغني الأب، والإيحاء بأنه لا يزال يحظى بشعبية كبيرة في البلاد ويستطيع توحيد صفوف حزب أرهقه التشرذم مؤخرا، ودحض فكرة أن غيابه لنحو عقد في مصر قلل من حضوره في السودان.

وحوى الإعلان عن قيام القاهرة بترتيب رحلة عودة الميرغني إلى الخرطوم معاني ضمنية بأن مصر تريد استخدام أوراقها القديمة ممثلة في الحزب الاتحادي الحليف التاريخي لها لتوفير قاعدة دعم سياسي للجنرال البرهان الذي تعرض لانتقادات سودانية كبيرة الفترة الماضية بسبب ما تردد حول علاقاته الخفية بالنظام السابق.

وواجه البرهان اتهامات قاسية بعدم قيامه بما يجب للتصدي لفلول البشير التي بدأت تظهر نوعا في التمدد في المصالح الحكومية والمؤسسة العسكرية، وتشارك في تظاهرات خاصة بها في الشارع، وعندما تعهد صراحة بتقويض حزب المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية لم يقم بتحركات تعزز مصداقيته في هذا المجال.

وتخشى القاهرة أن تؤدي ضغوط القوى المدنية المتزايدة على المؤسسة العسكرية إلى انفلات الأوضاع أو إصرار البرهان على الاستعانة برديف نظام الرئيس السابق، فشجعت عودة الميرغني الأب باعتباره من القوى الحزبية التاريخية الموثوق بها ويمكنه أن يلعب دورا سياسيا لدعم الجيش في الشارع عبر أنصاره من طائفة الختمية، وتضييق الخناق على فلول البشير، وقطع الطريق على استعادة نشاطهم في الشارع.

ويقلل سودانيون من الوزن النسبي للحزب الاتحادي وزعيمه بسبب اتساع نطاق الانقسامات الداخلية في جسمه، وفقدانه الكثير من رصيده الشعبي، وتجاوز القوى المدنية الأفكار السياسية التي يتبناها الحزب.

ويقول متابعون “إذا كان الأب الميرغني لا يحكم سيطرته على ولديه (جعفر والحسن) ولا يملك توجهات واضحة للحزب وهويته، فلن يستطيع ممارسة دور سياسي حيوي وهو في هذا العمر المتقدم”.

وضرب أحد السودانيين مثلا بأن الحزب الديمقراطي الأميركي تناوب على زعامته العشرات من الأشخاص على مدار ستين عاما، بينما لا يزال الميرغني يقبع على زعامة حزبه طوال هذه الفترة، وهي إشارة على عمق التكلس في الحزب وافتقاره للعافية السياسية المطلوبة في التعامل مع الأحداث المتلاحقة التي تمر بها الأزمة السودانية.

وتريد هذه المقارنة أو المفارقة التأكيد على عدم تجديد دماء الأحزاب التاريخية في السودان عموما، والإصرار على حصرها في بيت الزعيم، حيث يكاد الموقف يتشابه في حالة حزب الأمة، والذي عصفت أيضا به الخلافات منذ فترة، وألحق باسمه كلمة (القومي) للتفرقة بينه وبين حزب الأمة الذي يقوده مبارك المهدي.

وحاول حزب الأمة عدم حصر الزعامة في بيت الصادق المهدي بعد رحيله واختار فضل الله برمة صالح رئيسا مؤقتا له، إلا أن عقدة الأبناء تلازمه حتى الآن، بسبب الانقسام حول اختيار زعيم من خارج أسرة المهدي العريقة، وتصعيد أحد أبنائه أو بناته كرمز لطائفة الأنصار الصوفية التي تعتبر المخزون الشعبي الرئيسي لحزب الأمة وآل المهدي على غرار الختمية في الحزب الاتحادي.

ولا تدرك هذه النوعية من الأحزاب أن التطورات السياسية تجاوزتها وثمة جيل جديد صاعد يكفر بها ويحملها جانبا كبيرا من نكبة البلاد التي مرت بها على مدار العقود الماضية، ما يوجد صعوبة بالغة في قدرتها على استعادة بريقها مرة أخرى.

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه