ارتفاع حدة المخاوف من تكرار أزمة الأموال الساخنة في مصر

ارتفاع حدة المخاوف من تكرار أزمة الأموال الساخنة في مصر

القاهرة- ارتفعت حدة التحذيرات والمخاوف من تكرار أزمة الأموال الساخنة في مصر، خوفا من الوقوع في كبوة العام 2022 عقب اندلاع الحرب الروسية – الأوكرانية، حيث هرب أكثر من 20 مليار دولار من تلك الاستثمارات بشكل مفاجئ.
وانجر عن خروج تلك الأموال قبول القاهرة بوصفة صندوق النقد الدولي وطلب تمويل جديد منه، وهو ما ترتب عنه ارتفاع الأعباء على شريحة من المواطنين.
وتُعرف الأموال الساخنة بأنها استثمارات غير مباشرة قصيرة الأجل، يتم ضخها في الأسواق عبر شراء أدوات الدين الحكومية، مثل أذون الخزانة والسندات، بجانب أسهم الشركات المدرجة في البورصة، وهي تتسم بسهولة دخولها وخروجها من الأسواق.
وجاءت التحذيرات في وقت لاحت فيه تكهنات بقرب خفض الفائدة في مصر هذا العام، خاصة مع الاتجاه العالمي في هذا الصدد، وانتظارا لبدء تحرك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي (البنك المركزي) على المنوال نفسه.
وفضلا عن ذلك، المخاوف من تصاعد حدة التوترات في منطقة الشرق الأوسط، واحتمال نشوب حرب واسعة بين إسرائيل وحزب الله اللبناني، تنعكس تداعياتها على المستوى الإقليمي.
وعقب قرار تعويم الجنيه في مارس الماضي، انهالت العروض على شراء أدوات الدين الحكومية مع الانخفاض الشديد لسعر الجنيه مقابل الدولار، ما أسهم في تغطية الطلب على أذون الخزانة بأضعاف الرقم المستهدف بيعه وارتفاع العائد المقدم، والذي تخطى 30 في المئة.
وارتفعت إصدارات أدوات الدين المصرية متمثلة في أذون الخزانة منذ قرار تعويم العملة حتى نهاية مايو الماضي بنسبة 141.3 في المئة، لتبلغ 1.46 تريليون جنيه (30.8 مليار دولار)، مقابل 12.8 مليار دولار بمقارنة سنوية، وفقا لبيانات البنك المركزي.
ويرى محللون أن المخاطر الجيوسياسية لم تؤخذ في الحسبان عند الاستثمار أو تسعير وتحديد قيمة الأوراق المالية في مصر أو الدول المجاورة، ومن ثم يعد ذلك خطرا قد يداهم السلطات حال تفاقمت الأوضاع بشكل أكبر بالمرحلة المقبلة.
ووفق الشركة المصرية للإيداع والقيد المركزي، وهي الذراع الحكومي لإيداع وقيد وتسوية الأوراق والأدوات المالية الحكومية التي تضم أذون وسندات الخزانة، بلغت تداولات أدوات الدين في السوق الثانوية بالبورصة نحو 87 مليار دولار بالربع الأول من 2024.
وثمة مخاطر أخرى تهدد بقاء الأموال الساخنة عند معدلاتها الحالية، وهي توقعات ورغبة المركزي خفض العائد على أذون الخزانة، حال خفض الفائدة.
وقد يواجه ذلك الخفض على أذون الخزانة رفضا من وزارة المالية التي يطرح المركزي تلك الأذون نيابة عنها، للحفاظ على الأموال الساخنة، وهو السيناريو الأقرب المتوقع حدوثه.
وتلجأ مصر إلى تلك الأداة باعتبارها الأسرع في التمويل ودعم سعر العملة، وهو الفخ الأكبر الذي وقعت فيه السلطات بعد هروب أموال الأجانب في 2022 وما أعقبه من انهيار الجنيه وانتشار السوق السوداء وغيرها من الأزمات التي دفع ثمنها الاقتصاد والمواطن.
وتلجأ السلطات لتلك الأموال لتمويل مشاريع قصيرة الأجل تُدرج ضمن نفقات الموازنة وتمويل عجز وتلبية مصروفات مختلفة للحكومة.
ومن أبرز العوامل التي تغذي الأموال الساخنة، ارتفاع سعر الصرف وكذا الفائدة، لكن المخاطر تكمن في أنه عند استحقاق آجال أذون الخزانة يكون سعر العملة قد تراجع بالمقارنة لوفرة المعروض الدولاري مع سعر شراء المستثمرين عند دخول مصر.
ويترتب على ذلك أنهم يجنون مكاسب من ارتفاع سعر العملة ومن الهبوط في سعرها أيضا، إذ يشترون الدولار بسعر منخفض عند الخروج بالمقارنة مع بيعه للحكومة بسعر مرتفع عند بداية الدخول، وبالتالي الدولة هي الخاسر الأكبر في تلك الآلية.
ومع تعالي التحذيرات ودق أجراس الإنذار، ذكرت اللجنة الاقتصادية بالبرلمان، أن خطة العام المقبل تتجنب التوسع في الاقتراض عبر الأموال الساخنة وتتعامل بحرص في هذا الشأن، لعدم تكرار أزمة الخروج الجماعي منذ نحو عامين.
وقال المحلل الاقتصادي ياسر عمارة إن “الارتكان إلى الأموال الساخنة واستمرار الاعتماد عليها من الآفات التي ابتلي بها الاقتصاد ويترتب عنها انهيار للعملة وأزمات اقتصادية متعددة، والأجانب هم الفائز من ورائها”.
وأوضح أنه يمكن استمرار الاعتماد على الأموال الساخنة في التمويل، بشرط زيادة الاحتياطي من النقد الأجنبي بنفس القدر من الأموال الساخنة المتواجدة في البلاد، بحيث لو خرجت بشكل مفاجئ لا يترتب عنها تذبذب سعر صرف الجنيه أو تدهور الأوضاع الاقتصادية.
وحذر عمارة من لجوء السلطات النقدية إلى خفض سعر صرف الدولار بمعدلات كبيرة حتى لو زاد المعروض طالما أن هناك جزءا كبيرا منه يشمل الأموال الساخنة، خوفا من المستقبل الغامض الذي يشوب الأوضاع العالمية والتي قد يترتب عنها هروب جديد.
وفي إشارة لخفض الاعتماد على الأموال الساخنة، ذكر تقرير لخبراء صندوق النقد، أن القاهرة تعهدت بالكف عن تجاوز وزارة المالية بالاقتراض المباشر من المركزي، إذ يعود منشأ ذلك الاقتراض إلى الطلبات التي يتلقاها البنك من الوزارة لطرح أدوات الدين للأجانب.
وأكد الخبير الاقتصادي مجدي شرارة أن الحكومة أكدت عقب أزمة 2022 أنها لن تعتمد على الأموال الساخنة مرة أخرى، لكن ما حدث في 2024 من زيادة اللجوء إليها عبر الإصدارات الكبيرة من أدوات الدين يؤكد التناقض الكبير في تصريحات المسؤولين.
وأوضح شرارة، أستاذ إدارة الأعمال بأكاديمية الدلتا للعلوم والتكنولوجيا في تصريح أن استقرار سوق الصرف لن يتحقق إلا بالإنتاج والتصنيع والتصدير وليس بالاعتماد على الأموال الساخنة التي تسببت في دخول اقتصاد البلاد نفقًا مظلمًا لنحو عامين.
وأشار إلى أن تأثيراتها السلبية تتحقق على أرض الواقع بعد ارتفاع تكاليف المعيشة والقرارات القاسية التي تتخذها السلطات على فترات متقاربة لعدم القدرة على توفير الدولار بشكل كامل من الإنتاج والتصنيع.
وذكر أن تلك الأموال تربك الاقتصاد لعدم تدفق الدولار بشكل كبير إلى السوق المحلية، ما يدفع السلطات إلى استخدامها في دعم العملة.
ويطالب شرارة بتأسيس صندوق خاص بها، وعدم ضمها للاحتياطي الأجنبي، بحيث تستخدم في تلبية طلبات المستوردين أو لأي غرض بخلاف مساندة العملة.

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه