طباعة

كثرة الطهاة في طبخة سدّ النهضة تُفسدها سياسيا

 

كثرة الطهاة في طبخة سدّ النهضة تُفسدها سياسيا

القاهرة - منح تحرك قوى دولية وأفريقية على خط أزمة سد النهضة، بارقة أمل لمصر والسودان للتوصل إلى اتفاق ملزم مع إثيوبيا، إلا أن هذا التحرك يبدو غير كاف حيث لم تتقدم أي قوة واحدة لحدّ الآن بتصور أو رؤية واضحة للخروج من الأزمة، في ظل إصرار أديس أبابا على التمسك بوساطة الاتحاد الأفريقي.
وبدأت عجلة الوساطات تدور ببطء، لكن لا أحد يعرف إلى أي مدى تؤثر كثرة الطهاة سلبا أو إيجابا في الحصول على طبخة مناسبة للحل أم تفسدها، مع مراوحة الأزمة لمكانها وقتا طويلا بين الصعود والهبوط.
وشرع المبعوث الأميركي للقرن الأفريقي جيفري فيلتمان في القيام بجولة تشمل الدول الثلاث وإريتريا، وتنتهي في 13 مايو لبحث أزمة سد النهضة في إطار ما أبدته واشنطن من التزام بمعالجة الأزمات السياسية والأمنية والإنسانية في القرن الأفريقي.
يقول مراقبون إن جولة فيلتمان لا تقتصر على سد النهضة، فالأزمة في إقليم تيغراي تحظى باهتمام كبير من الإدارة الأميركية، وتخشى أن تفضي إلى انفلات الأوضاع في إثيوبيا وما يمكن أن تحدثه من انعكاسات عميقة على دول المنطقة، بما يعني أن أزمة السد ليست الوحيدة في أجندة واشنطن الراهنة وتأتي في مرتبة تالية لتيغراي.
يتزامن ذلك مع زيارة يقوم بها الرئيس الإريتري أسياس أفورقي للخرطوم لبحث أزمة سد النهضة أيضا، وترطيب الأجواء بين السودان وإثيوبيا بعد تصاعدها، حيث لوّحت الأولى بالمطالبة بأحقيتها في إقليم بني شنقول المقام عليه السد، إذا أصرّت الثانية على عدم الالتزام بالاتفاقيات التاريخية الخاصة بمياه النيل، وهي الاتفاقيات ذاتها التي سلخت الإقليم من أراضي السودان وسلمته إلى إثيوبيا.
ومع أن الربط السوداني كان الغرض منه تنبيه إثيوبيا من مغبة فتح جيوب مظلمة قديمة، غير أن المتحدث الرسمي باسم الخارجية الإثيوبية دينا مفتي رد بقسوة الثلاثاء، قائلا “التصريحات العدائية ما زالت مستمرة.. السودان لم يكتف بالاعتداء على أراض إثيوبية بل انتقل إلى الادعاء بتبعية الإقليم الذي يقع عليه سد النهضة”.
ويؤدي تشعب الأزمات ودخولها في تفاصيل متباينة إلى تمكين إثيوبيا من التشويش على القضية الرئيسية وهي سد النهضة، وتفويت فرصة الاتفاق وديا على عمليات الملء والتشغيل.
وذكرت وسائل إعلام محلية أن جماعة إثيوبية مسلحة توغلت قبل أيام، بعمق عشرة كيلومترات داخل الأراضي السودانية في منطقة الفشقة التي استردها الجيش مؤخرا.

وكشفت مصادر سودانية أن زيارة أفورقي للخرطوم ستناقش بجانب سد النهضة أزمة الفشقة، وتدفق اللاجئين على السودان من إقليم تيغراي، وإيجاد حل قبل أن تتصاعد الأمور ويتحول الإقليم إلى قنبلة تنفجر في وجه أسمرة ودول الجوار.
وأشارت المصادر إلى أن مساندة إريتريا لإثيوبيا وإرسال قواتها إلى تيغراي تفتح الباب أمام مشكلات جديدة بين أسمرة والمجتمع الدولي، فبعد إنكار دخول القوات اعترف آبي أحمد رئيس الحكومة الإثيوبية بوجودها ثم انسحابها ومحاسبة المتورطين في ارتكاب جرائم حرب، لكن تقديرات أميركية أكدت أنها لا تزال مستمرة.
وتعمل القاهرة والخرطوم على توظيف جولة فيلتمان لحض الإدارة الأميركية على الانخراط مباشرة في أزمة سد النهضة حفاظا على الأمن والسلم الإقليميين، من خلال استخدام علاقتها الجيدة بأديس أبابا والضغط عليها لإجبارها على توقيع اتفاق ملزم.
وأوضح السفير المصري في واشنطن معتز زهران في مقال له بمجلة “فورين بوليسي” الأميركية أخيرا، أن الولايات المتحدة قادرة على الضغط على إثيوبيا “للامتناع عن الإجراءات الأحادية والسعي لتحقيق المصالح الذاتية الضيقة التي أضرت بالمصالح المشروعة لجيرانها”.
وأدى تلكؤ واشنطن في التدخل إلى الإيحاء بأنها مقتنعة بوجهة نظر إثيوبيا وأنها تدعمها لتحويل السد إلى أمر واقع، أو مرتاحة للطريقة التي تدار بها المفاوضات وتحمل استنزافا لقدرات مصر والسودان كي تتمكن من التدخل في لحظة معينة تسمح لها بفرض شروط وتحقيق مصالح في المنطقة وسط مقاربات روسية جديدة نحو البلدين.
وقالت رئيسة وحدة وادي النيل بمركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية أماني الطويل إن التحرك الأميركي يأتي في توقيت بالغ الحساسية، حيث تؤكد إثيوبيا عزمها على بدء الملء الثاني للسد، ما يشي بأن واشنطن تريد تعزيز التوازن الحرج الذي لا يكفي لطمأنة الفاعلين والتلويح بأن مصالحهم محفوظة كي لا يختل الوضع بالمنطقة.
وذكرت الطويل أن فيلتمان ذو مستوى ضعيف ولا يعكس أن ثمة تحركا قويا من واشنطن، ولا يتماشى مع صعوبة الملف، لأن أديس أبابا تمارس التعنت في أحقية مصر والسودان لحصتهما من المياه، ومتمسكة بوساطة الاتحاد الأفريقي بمفرده، مع أنه لن يستطيع الوصول إلى نتائج تضمن حق دولتي المصب.
وأبدت وزيرة الخارجية السودانية مريم الصادق المهدي تفاؤلا لبوادر تنسيق ظاهر بين الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والولايات المتحدة بشأن إيجاد حل لأزمة سد النهضة، بعد جولة أفريقية قادتها إلى كل من كينيا ورواندا وأوغندا والكونغو الديمقراطية لشرح موقف الخرطوم من السد.
ويقوم رئيس الكونغو الديمقراطية رئيس الدورة الحالية للاتحاد الأفريقي فيليكس تشيلسي سيدي بجولة في السودان ومصر وإثيوبيا.
ولفت بيان الخارجية الأميركية إلى أن فيلتمان سيجري حوارات مع مسؤولين في الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة.
واعتبر الخبير في الشؤون الأفريقية أيمن السيد عبدالوهاب أن الجهود التي تبذل من جهات مختلفة حاليا “ضعيفة ولن تثني إثيوبيا عن المضي قدما في مراوغاتها لفرض الأمر الواقع، ولا توجد أدوات ضغط حقيقية عليها تجبرها على تغيير موقفها”.
وأضاف أن التغيير يحدث مع وجود ضغط وتحذير قوي من قبل الولايات المتحدة، أو توقف المساعدات التنموية من دول الخليج، ودون توظيف هذه النوعية من الأدوات لن يتغير الموقف الإثيوبي من الملء الثاني لسد النهضة.

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)
وكالة الحدث الاخبارية

مقالات اخرى ل وكالة الحدث الاخبارية