ardanlendeelitkufaruessvtr

"سخاء" أمير الشعراء

بقلم د. سعد البازعي كانون2/يناير 08, 2023 62

"سخاء" أمير الشعراء

ثورة خرجت عن حدود اللغة وقواعد النحو، ولم يعد النقاش فيها بالحق والمنطق مجديًا، إذ بدا واضحًا أن وراءها حالة ترصّد مبالغ فيها إلى حد تخصيص قنوات تلفزيونية فقرات وحلقات كاملة من برامجها لها.

البرنامج حديث الساعة رغم حملات التشويه

يبدو أن المشكلة في قواعد اللغة العربية أن كثيراً منها قياسي، أي مجرد، أسسه عقلية أكثر منها واقعية. علماء النحو وضعوا القواعد ثم ألزموا اللغة بأن تسير بمقتضاها، فلا بد للجملة من فاعل حتى إن لم يكن فاعلاً في الحياة!

تلخص هذه العبارة المدخلَ الذي نظن أنه شغل بال عضو لجنة تحكيم مسابقة أمير الشعراء الدكتور علي بن تميم، وأراد اختباره كفرضية مع المتسابق الشاعر عبدالسلام أبوحجر.

لم يكن الأمر مجرد اختبار دراية الشاعر بقواعد النحو، وإنما هو اختبار مُركَّب من باب “الإثارة ولفت الأنظار”، فالبرنامج رائد في اختراق سوق الترفيه التلفزيوني قبل أكثر من 16 سنة بمحتوى ثقافي رصين، ويسعى بشكله -أو بما يسميه أهل الإعلام “الفورمات”- إلى إثارة مجادلات ومشادات منطلقًا من الشعر والنحو واللغة؛ لتحقيق حالة من الرواج تخدم اللغة والشعر. وهو أمر نجح فيه بامتياز عبر مواسمه كلها على مدار ستة عشر عامًا.

لجنة التحكيم أرادت عمل "شو" إعلامي يعرف متابعو المواسم السابقة أنه جزء من طبيعة البرنامج. وهو ما أشار إليه الدكتور علي بن تميم

من هذا المدخل أرادت لجنة التحكيم إثارة نقاش وجدل، مستفيدة من عبارة الشاعر التي تحققت فيها كل الشروط المناسبة. لم يكن هناك خطأ بالمعنى المباشر، فالبرنامج مسجل والتصحيح ممكن، ربما لم يخرج العرض متماسكًا لأسباب فنية، ولأن التجانس بين اللجنة -التي تضم عضوين جديدين- ليس في مستوى المواسم السابقة.

الواضح للناس أن الشاعر أصاب وأخطأ عضو اللجنة. نعم، ولكن السؤال لم يكن اختبارًا لقدرات الشاعر، إنما هو “لعبة اختبار” تضع الشاعر في موضع الضحية، داخل سياق مبني على جملته التي تحتمل ثلاثة بدائل، واحد منها صحيح، سيدافع به بلا شك، والآخران طلقتان فارغتان مبنيتان على منطق منضبط، لإحداث حالة التشكيك والإثارة والرواج.

أحد البديلين هو اختبار التلقي الشائع عند الجمهور، حسب سؤال الدكتور علي بن تميم، وهو ناقد مختص في نظرية التلقي. وفكرة السؤال -التي ربما عُرضت بشكل غير متقن- أن كثيرًا ممن سيستمعون إلى جملة “ويعجبني في الذكريات سخاؤها” سيتعاملون معها بالشكل التقليدي: جملة فعلية تتضمن فعلًا وفاعلًا ومفعولًا به. ولكن بناء الجملة لن يسعفهم بسبب ما تضمنته من تقديم وتأخير، ولخصوصية الفعل “أعجب”، كونه فعلاً يقع على المرء وليس فعلًا يقوم به المرء، هو أقرب إلى “رد الفعل” منه إلى الفعل.

وأول ما يتبادر إلى ذهن المتلقي أن الفاعل هو العاقل في الجملة: المتحدث بالإعجاب، وسينصرف الذهن عن اعتبار ياء المتكلم مفعولًا به، باحثًا عما وقع عليه إعجاب العاقل، ولأن “الذكريات” مسبوقة بحرف جر فإن الذهن ينصرف إلى “السخاء” ليبحث فيه عن المفعول به الذي وقع عليه الفعل.

لجنة التحكيم أرادت إثارة نقاش وجدل، مستفيدة من عبارة الشاعر التي تحققت فيها كل الشروط المناسبة. لم يكن هناك خطأ بالمعنى المباشر، فالبرنامج مسجل والتصحيح ممكن

هذه احتمالية تلقٍ، طرحها عضو اللجنة ليثير الجدل، متوقعًا إجابة الشاعر القياسية، ليتولى العضوان استكمال المشاغبة، وهو ما حدث، إذ أضاف الدكتور محمد حجو بعض الإيهام اللازم (لو أن الأمر خطأ كان بمقدوره التنبيه فهو يعرف أن الحلقة مسجلة)، واستكملت الدكتورة أماني فؤاد طرح البديل الثاني الذي تُفترَض على أساسه إمكانية جر السخاء باعتباره “بدل اشتمال مجرور”، إذ تنطبق على العبارة قاعدة البدل ولو ظاهريًا، إذ يمثل السخاء جزءًا من كلٍّ معنوي هو الذكريات “المبدل منه” وتعرب “فاعلًا مجرورًا لفظًا مرفوعًا محلًا”.

بهذه البساطة أرادت لجنة التحكيم عمل “شو” إعلامي يعرف متابعو المواسم السابقة أنه جزء من طبيعة البرنامج. وهو ما أشار إليه الدكتور علي بن تميم حين كتب إن ما حدث كان اختبارا اعتياديا مما يحدث في كل مواسم أمير الشعراء. ولكن المعترضين لم يرضهم هذا الإيضاح، وكأن على الرجل أن يخالف الحقيقة ليتجنب ثورتهم!

والحقيقة أنها ثورة خرجت عن حدود اللغة وقواعد النحو، ولم يعد النقاش فيها بالحق والمنطق مجديًا، إذ بدا واضحًا أن وراءها حالة ترصّد مبالغ فيها إلى حد تخصيص قنوات تلفزيونية فقرات وحلقات كاملة من برامجها، ليس لمناقشة الأمر، وإنما لتسليط الضوء عليه وتضخيمه، والتطاول على أعضاء لجنة التحكيم والبرنامج من أفراد وجهات ينتمي معظمهم إلى خلفيات سياسية معروفة تذكي أوار الحملة. بمنطق الإعلام، ما حققته لعبة أمير الشعراء هو نجاح ساحق جعل البرنامج حديث الساعة، ولا شك في أن المشاهدين في أنحاء العالم -غير المدفوعين بأغراض ومصالح – سوف يستمتعون بموسم جديد من المنافسة والتشويق على أجنحة الشعر واللغة والفن.

د. سعد البازعي

ناقد ومفكر سعودي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه