ardanlendeelitkufaruessvtr

العناق العناق..

بقلم حكيم مرزوقي كانون2/يناير 24, 2023 50

العناق العناق..

العناق يصنع من البرد دفئا ومن الضيق فسحة، ويجعل الأنفاس والعطور تتمازج، والأرواح والأجساد تتعانق.

“لم أدر ما طيب العناق على الهوى

حتى ترفق ساعدي فطواك”.

ليس أجمل من العناق غير المزيد من العناق في يوم العناق الذي احتفل به العالم منذ أيام قليلة.

حبذا لو يكون العناق على وقع “يا جارة الواديّ” لأمير الشعراء وأنغام عبدالوهاب بصوته الأنيق أو حتى بصوت نور الهدى أو فيروز في “صباح زحلاوي” مثلج تكتمل فيه الصورة لتصبح لوحة خالدة.

المزيد من العناق يحرك الدماء المتجمدة في العروق فتنبض القلوب وتنهض من سباتها كطيور اليمام، تتحرر الدموع المتحجرة في المقل، تسيل شوقا كجداول الأنهار الدافئة، وتزهر الشفاه لتحيا الحياة.

العناق العناق.. أيها العالم الواقف كتماثيل الثلج، فلأجل ذلك خُلقت السواعد والأذرع والأحضان، وأنشأ المعماريون الممرات الضيقة وزرع البستانيون مشاتل الورد جنبا إلى جنب في الحدائق.

كل ما في هذا العالم يدعو للعناق من أقواس وجسور وبيوت غافية على أكتاف بعضها في مدن الشرق القديم.

وكذلك تفعل الأزقة الحميمة التي تضيق بمارتها من غير المتكاتفين والمبتسمين والمرحبين والمحيّين لبعضهم بعضا عند المرور.. بل وتدفعهم دفعا في أحيان كثيرة نحو العناق كما في حارتي الشعبية بالمدينة القديمة.

بلى، هنا وفي غالبية المدن التونسية، تكاد لا توجد فيها حارة قديمة إلا وفيها ما يُعرف بـ”زنقة عنقني”  أي “زقاق عانقني” كدعوة صريحة لضرورة المعانقة كي يتمكن الواحد من المرور.

عُرفت هذه الممرات الضيقة الخاصة بالمشاة والمترجلين منذ أزمنة بعيدة، وسمي الواحد منها بـ”زنقة عنقني” على سبيل التفكه وإشاعة الابتسامة دون عقد أو تنمر أو ما يوحي بالاحتكاك غير المستظرف.

قد تظهر سيدة من بعيد في منتصف الممر الضيق، لكن الشاب ينسحب إلى الخلف كي يترك لها حرية العبور دون إحراج.. وتلك شهامة لا يعرفها إلا الأصيلون من أبناء الحارات القديمة المفعمة بقيم الرجولة الحقيقية.

“الزنقة” تعني حالة الضيق والكدر والأزمة، ومنها جاءت تسمية “مزنوق” أي المتأزم في اللهجات المشرقية، لكنها في اللهجات المغاربية تعني الجادات والممرات الضيقة ليس إلا.

“زنقة عنقني” إذن، ليست ما يُعرف بـ”آن باس” بالفرنسية أي “حارة سد” كما لدى أهل الشام، وإنما هي أقرب إلى ما يعرف بـ”الزاروب”، لكن فيها الكثير من الاستظراف والمحبة الحميمة.. تماما كفعل العناق.

إن وقع إضافة الرغبة البدائية إلى هذه الحركة الإنسانية ذات البعد التشكيلي والجمالي الآسر، تصبح فعل تحرش وحشي ومذموم، لذلك احتوت عبارة “عناق” كل عناصر الطباق الصوتي والانسياب التشكيلي.

العناق يصنع من البرد دفئا ومن الضيق فسحة، ويجعل الأنفاس والعطور تتمازج، والأرواح والأجساد تتعانق كالعناق.

حكيم مرزوقي

كاتب تونسي

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه