قصص‭ ‬حب‭ ‬عراقية

بقلم رباح آل جعفر شباط/فبراير 01, 2023 152

 

قصص‭ ‬حب‭ ‬عراقية

 

رباح آل جعفر

منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬قرن‭ ‬نشر‭ ‬الأديب‭ ‬الكبير‭ ‬إحسان‭ ‬عبد‭ ‬القدوس‭ ‬قصته‭ ‬القصيرة‭ ‬الجميلة‭ (‬الله‭ ‬محبة‭) ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬روميو‭ ‬وجوليت‭ ‬مصرية‭. ‬شباب‭ ‬حالمون،‭ ‬عاشقون،‭ ‬طافحون‭ ‬بالأمل،‭ ‬يحبّون‭ ‬ويتزوجون‭ ‬بعاطفة‭ ‬إنسانية‭ ‬واصلة‭ ‬إلى‭ ‬الأعماق،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬السؤال‭ ‬عن‭ ‬الدين،‭ ‬والطائفة،‭ ‬والمذهب‭. ‬

‏لدينا‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الروائع‭ ‬حكايات‭ ‬منسيّة‭ ‬تصلح‭ ‬أن‭ ‬نكتبها‭ ‬قصصاً،‭ ‬ونؤلفها‭ ‬روايات،‭ ‬وننتجها‭ ‬في‭ ‬دراما‭ ‬فنية‭ ‬شيقة‭. ‬إنها‭ ‬شهادات‭ ‬بليغة‭ ‬توثق‭ ‬للجيل‭ ‬أن‭ ‬العراقيين‭ ‬لا‭ ‬أصفى‭ ‬من‭ ‬نفوسهم،‭ ‬ولا‭ ‬أطيب‭ ‬من‭ ‬قلوبهم‭. ‬

‏في‭ ‬البتاويين‭ ‬ببغداد،‭ ‬أعوام‭ ‬الأربعينات،‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬مسجد‭ ‬بالقرب‭ ‬منه‭ ‬حسينية‭ ‬وبجانبهما‭ ‬كنيسة،‭ ‬وكان‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الحي‭ ‬يشعرون‭ ‬أنهم‭ ‬عائلة‭ ‬عراقية‭ ‬واحدة‭ ‬بلا‭ ‬خطوط‭ ‬طول،‭ ‬أو‭ ‬خطوط‭ ‬عرض‭. ‬لا‭ ‬يفرّقون‭ ‬بين‭ ‬المسلم‭ ‬والمسيحي،‭ ‬ولا‭ ‬يعرفون‭ ‬من‭ ‬الشيعي‭ ‬ومن‭ ‬السنّي؟‭!. ‬

‏ومثل‭ ‬هذه‭ ‬القصص‭ ‬حدثت‭ ‬قبل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬قرن‭ ‬أيضاً‭. ‬عندما‭ ‬كان‭ ‬العراق‭ ‬مجتمعاً‭ ‬بأديانه‭ ‬وقومياته‭ ‬وطوائفه‭ ‬على‭ ‬بقعة‭ ‬صغيرة‭ ‬من‭ ‬الأرض،‭ ‬تشغلها‭ ‬محطة‭ ‬لتكرير‭ ‬النفط‭ ‬اسمها‭ “‬ك‭ ‬3‭” ‬في‭ ‬بلدة‭ ‬حديثة‭ ‬على‭ ‬ضفاف‭ ‬الفرات‭. ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المحطة‭ ‬سكن‭ ‬عراقيون‭ ‬تعدّدت‭ ‬أديانهم،‭ ‬وتنوّعت‭ ‬مذاهبهم،‭ ‬وتلوّنت‭ ‬أعراقهم،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الجميع‭ ‬كانوا‭ ‬يشاركون‭ ‬الجميع‭ ‬في‭ ‬مناسباتهم‭. ‬لا‭ ‬يسألون‭ ‬عن‭ ‬أنساب،‭ ‬وأحساب‭ ‬،‭ ‬وأحزاب‭ ‬،‭ ‬ومكونات‭. ‬

‏وإذا‭ ‬كان‭ ‬عكَد‭ ‬النصارى‭ ‬أشهر‭ ‬أحياء‭ ‬بغداد‭ ‬التي‭ ‬سكنها‭ ‬المسيحيون،‭ ‬فمن‭ ‬الملفت‭ ‬للنظر‭ ‬أن‭ ‬أشهر‭ ‬منارة‭ ‬إسلامية‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬بغداد،‭ ‬منارة‭ ‬جامع‭ ‬الخلفاء،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬شامخة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المكان‭ ‬أيضاً‭.‬

‏ويوماً‭ ‬حدثني‭ ‬الشيخ‭ ‬جلال‭ ‬الحنفي‭ ‬رحمه‭ ‬الله‭ ‬عن‭ ‬ذكريات‭ ‬من‭ ‬مجلس‭ ‬الأب‭ ‬انستاس‭ ‬ماري‭ ‬الكرملي‭ ‬في‭ ‬عكَد‭ ‬النصارى‭ ‬قائلاً‭: ‬من‭ ‬الكرملي‭ ‬تعلمت‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬أضاف‭ ‬لي‭ ‬لقب‭ ‬الحنفي،‭ ‬مثلما‭ ‬منح‭ ‬العلامة‭ ‬محمد‭ ‬بهجت‭ ‬لقب‭ ‬الأثري‭.‬

‏وكحافظ‭ ‬وشوقي‭ ‬في‭ ‬مصر‭. ‬كان‭ ‬النهران‭ ‬الخالدان‭ ‬معروف‭ ‬الرصافي‭ ‬ومحمد‭ ‬مهدي‭ ‬الجواهري‭ ‬يشكلان‭ ‬ثنائية‭ ‬السنّة‭ ‬والشيعة‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬أرجو‭ ‬أن‭ ‬تتكرر‭.‬

‏وعلى‭ ‬أيّام‭ ‬أبي‭ ‬نؤاس‭ ‬وباقي‭ ‬الشعراء،‭ ‬كانت‭ ‬بغداد‭ ‬متاحة‭ ‬للأديان‭ ‬والثقافات‭ ‬والناس‭ ‬جميعاً‭ . ‬

‏والأديب‭ ‬الانكليزي‭ ‬سومرست‭ ‬موم‭ ‬،‭ ‬والأديب‭ ‬الايطالي‭ ‬ألبرتو‭ ‬مورافيا‭ ‬،‭ ‬والأديب‭ ‬الفرنسي‭ ‬أندريه‭ ‬جيد‭ ‬،‭ ‬والأديب‭ ‬الأميركي‭ ‬وليام‭ ‬فوكنر‭ ‬،‭ ‬لم‭ ‬يقرؤوا‭ ‬من‭ ‬الأدب‭ ‬العربي‭ ‬صفحة‭ ‬واحدة‭ ‬،‭ ‬سوى‭ ‬كتاب‭ (‬ألف‭ ‬ليلة‭ ‬وليلة‭ ).‬

‏وعندما‭ ‬أعدم‭ ‬البريطانيّون‭ ‬عبد‭ ‬المجيد‭ ‬كنّة‭ ‬من‭ ‬الأبطال‭ ‬المقاومين‭ ‬للاحتلال‭ ‬جرى‭ ‬لجثمانه‭ ‬تشيّيع‭ ‬هائل‭ ‬في‭ ‬بغداد،‭ ‬كان‭ ‬استفتاء‭ ‬على‭ ‬الوحدة‭ ‬الوطنية‭. ‬شارك‭ ‬الشيعة‭ ‬والسنّة‭ ‬براياتهم‭. ‬يؤكدان‭ ‬أن‭ ‬مساحات‭ ‬الوطن‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬مساحات‭ ‬الطائفة‭.‬

‏في‭ ‬هذه‭ ‬القصص‭ ‬كلها‭. ‬كان‭ ‬العراق‭ ‬هو‭ ‬اللوحة‭ ‬الجميلة‭ ‬من‭ ‬الزجاج‭ ‬المعشّق‭ ‬بألوان‭ ‬قوس‭ ‬قزح،‭ ‬إذا‭ ‬خلعوا‭ ‬منها‭ ‬قطعة‭ ‬واحدة‭ ‬تعرّضت‭ ‬اللوحة‭ ‬كلها‭ ‬إلى‭ ‬التشويه‭.‬

‏جميع‭ ‬الطائفيين‭ ‬أنذال‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬تعلقوا‭ ‬بأستار‭ ‬الكعبة‭ ‬لن‭ ‬يغفر‭ ‬الله‭ ‬لهم‭.‬

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه