هل يتعلم الحكام من سلوك أفقر رئيس في العالم

بقلم د. ماجد السامرائي شباط/فبراير 07, 2023 247

هل يتعلم الحكام من سلوك أفقر رئيس في العالم

انهيار التعددية لا يحصل إلا في ظل منظومات أحزاب تحاول بشتى السبل الوصول إلى السلطة واحتكارها ومنع أي طائفة أخرى من منافستها أو مشاركتها من خلال مشروع الدولة الوطنية.

السياسي القائد الثوري في حاجة إلى الثقافة

رئيس أوروغواي السابق خوسيه موخيكا الموصوف عالمياً “أفقر رئيس في العالم” لم ينزل على شعبه جنيّا أو مَلَكاً من السماء، أو بشّر شعبه بنبوةّ جديدة أو إماماً مُنتظرَاً. كان رجلاً من بين أبناء شعبه اختار طريق النضال الثوري مع رفاقه الآخرين في أوروغواي ضد الاستبداد والفساد الذي لم يصل في تلك البلدان إلى نسبة واحد في المئة من الحالة التي يعيشها شعب العراق حالياً مع هؤلاء الحكام الجائرين.

لا نريد في هذه السطور تقديم استعراض مفصل لسيرته السياسية والحياتية التي أصبحت قصتها مُلهِمة لكل الثوريين في أميركا اللاتينية والعالم خاصة بين الشباب، ولم تكن كذلك بالنسبة إلى الحكام خاصة في البلدان الغنية بالمال كالعراق. أليس من المفترض بزملائه الحكام داخل قارته المميزة بحركات التحرر والثورة، أو في بلدان العالم الأخرى المشابهة ومنها بلداننا العربية، أن يتصفحوا تفصيلات تلك المسيرة كونها تجربة “رئاسية” إنسانية وسياسية لا بد أن يستفيدوا منها في وظيفتهم أمام شعوبهم؟

أغلب الحكام، خاصة حكام العراق بعد عام 2003 الذين ادّعوا الثورية وقيم الإسلام في بداية مسيرتهم المُزيّفة، يسخرون من الرئيس موخيكا وكأن بعضهم يقرأ قصة مشوّقة من الخيال العلمي، أو انعكاسا للبطل التاريخي التلفزيوني “باتمان”. لا شك أنهم يقولون بين حوارييهم وأتباعهم: هذا مجنون، أو إن بلاده أوروغواي يسودها الفقر المُدقع فلا غرابة في ظهور مثل هذا الرئيس بينهم. رغم أنه في حواراته الصحافية سخر من المليارات لو وضعت بين يديه وهو يقود بلاده، قائلاً “رغم أهمية المال لنا، لكن له فعل السحر في تخريب النفوس، وهذا هو حال البلدان الرأسمالية”.

ما يحصل هو تحطيم للنخبة الوطنية السياسية لحساب زعماء الطوائف والأحزاب الطائفية، ومقدمات لحروب دموية مصممة بصراحة لشحن العصبية الطائفية

البساطة والتواضع في السلوك اليومي، رغم أن درجتهما غريبة على الرؤساء والحكام الشيعة من مُدّعي الإسلام في العراق، كانا من الوصايا الإسلامية للنبي محمد، وميزة صحابته الأوائل مثل علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب.

لم تكن تلك الأمثلة الرائعة حاضرة في عقولهم، بل استحضرت لعبة الدين والمذهب كغطاء سياسي طائفي يتقاطع مع المفاهيم والقيم الإسلامية، وشغلهم البحث في ثنايا الدجل بالمذهب، كجواز سرقة المال العام لأن لا صاحب مُسمّى له.. إلخ. حالهم حال حاكم إيران خامنئي مُدّعي الولاية على العرب والمسلمين، مع أنه يمتلك شخصياً مليارات من الدولارات جمعها على حساب إفقار شعوب إيران الثائرة ضده اليوم.

المراقبة الكلية عبر سنوات موخيكا الثورية منذ بداية مسيرته النضالية السياسية إلى جانب رفيقته وزوجته في ما بعد (لوسيا) مروراً برئاسته لجمهورية أوروغواي (2010 – 2014) كأفقر رئيس في العالم، تؤكد أن سلوك البساطة في حياته اليومية لم يكن دعائياً أو مفتعلاً. لا يمكن لشخص أن يتمكن من تصنع السلوك قرابة ستين عاماً متواصلة؛ على سبيل المثال ليس تصرفاً مفتعلاً تبرعه الدائم بـ90 في المئة من راتبه للجمعيات الخيرية، ومعيشته في منزل زوجته الريفي المتواضع، وقيادته سيارة فولكسفاغن موديل 1987 في تنقلاته خلال واجباته الرسمية والشعبية كعلامة مميزة مرافقة له.

أليست ميزة رائعة مسيرته النضالية الثورية حيث قضى هذا الرجل 14 عاماً في السجن، سنتان منها داخل قاع بئر في حالة يصعب تصور وقائعها اليومية، ثم أطلق سراحه كغيره من السجناء بعد العفو العام سنة 1985، ثم انتخب عام 1994 نائباً وتم تصعيده انتخابياً إلى سيناتور عام 1999. وأخيراً كان من الطبيعي فوزه بالانتخابات الرئاسية عام 2010.

معظم حكام دول أميركا اللاتينية منذ سبعينات القرن الماضي وبينهم أوروغواي دكتاتوريون صنعتهم الولايات المتحدة وجهازها الاستخباري في استهداف الحركات الثورية وقمعها وقتل قادتها، حتى وإن كانوا رؤساء جاؤوا وفق الانتخابات؛ مثال ذلك انقلاب رئيس أركان الجيش التشيلي أوغستو بينوشيه ضد الرئيس المنتخب سلفادور أليندي، واغتيال أسطورة الثورة الكوبية من أصل أرجنتيني تشي غيفارا في التاسع من أكتوبر 1967 في أدغال بوليفيا. بالمناسبة ظهر أخيراً لغيفارا أخ نشر كتاباً استعرض فيه جوانب من حياة ذلك الثائر.

قمع وإزاحة حكومة مصدق في إيران مثال من أمثلة كثيرة على الأسلوب الأميركي في الانقلابات العسكرية التي تصاعدت خلال فترة الحرب الباردة في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، وقد تعود واشنطن مجدداً إلى دعمها أسلوب الانقلابات العسكرية في مناطق مختارة من العالم.

للتاريخ، لا بد من ذكر واقعة مهمة في قمة أوروبا – أميركا اللاتينية عام 2004، حيث كانت كوبا الدولة الوحيدة من بين 58 دولة رفعت صوتها مطالبة بإدانة الولايات المتحدة على جريمة تعذيب السجناء العراقيين في سجن أبوغريب؛ الدول الأخرى جميعها لم تتمكن من تأييد هذه الإدانة هلعاً من السطوة الأميركية.

غياب قائد واحد مُعلن يدير حكم العراق سبب من أسباب اختفاء تأثير السلوك السياسي والشخصي الفردي اليومي، وواحد من أسباب الصراع السياسي داخل منظومة الحكم العراقية. الواقع غير المعلن هو أن المرشد الإيراني من طهران يوحي بتعليماته واجبة التنفيذ.

أغلب الحكام، خاصة حكام العراق بعد عام 2003 الذين ادّعوا الثورية وقيم الإسلام في بداية مسيرتهم المُزيّفة، يسخرون من الرئيس موخيكا وكأن بعضهم يقرأ قصة مشوّقة من الخيال العلمي

مدراء الحكم مجموعة متصارعة من القوى والأحزاب على المال والنفوذ، لهذا تختفي الصفات والتصرفات الشاذة وتتوزع بين هذه المجموعة الحاكمة في غطاء التصريحات عبر وسائل الإعلام الرسمية التابعة لأحزابهم ومنظماتهم الميليشياوية. مرة يُظهر حزب الدعوة خلال فترة حكمه 2010 – 2014 أن رئيسه نوري المالكي هو الحاكم الأول، وتارة أخرى يحاول البعض، زيفاً، نقل المسؤولية الإعلامية الأولى إلى مرجعية السيد السيستاني في النجف، لاعتقاد البعض منهم أن تلك الحالة إيجابية لحمايتهم عبر توزيع المسؤوليات واختفاء المسؤول الرسمي الأول، لكن هؤلاء أغبياء، لأن خيانة الشعب والبلد لا تتوزع مسؤولياتها.

من القيم الثورية التي جعل لها “الرئيس الأفقر في العالم” أولوية في منهجه الحزبي والسياسي الشعبي وعبّر عنها خلال لقاءاته التلفزيونية والصحافية في السنوات الأخيرة، تركيزه على الثقافة “التغيير لا بد أن يحصل في ثقافتنا” و”الثقافة هي القيم اليومية في حياتنا”.

التركيز على هذه القيمة الجوهرية للثقافة ليست حاجة مؤقتة في العمل النضالي الثوري على أهميتها في تعزيز القيم الأصيلة في التماسك والتحصين الإنساني الفردي والجماعي، بل هي حاجة بالنسبة إلى المسؤول الحزبي والحاكم الذي يقود الشعب والبلد.

خصوصية الوعي الاجتماعي في عموم أميركا اللاتينية كونها مسيحية تخلصت من عصر التعصب الديني، وخلو تلك المجتمعات من الأزمة الطائفية في المعتقدات الدينية والمذهبية، وهي الخطر الذي داهم مجتمعاتنا العربية والمجتمع العراقي بشكل خاص. مهمة الوعي الثقافي الوطني النخبوي والشعبي في أوروغواي مثلاً تعني إطلاق فكرة حاجة ذلك المجتمع إلى الديمقراطية والعدل والمساواة وحرية العمل الإيجابي في مختلف جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. فحاجة السياسي القائد الثوري إلى الثقافة هناك من أجل إطلاق مكامن الإبداع الإنساني في التنمية والتغلب على مخاطر الجهل والتخلف الاجتماعي.

الأزمة الطائفية دخلت كوباء كورونا مجتمعاتنا في الشرق، خصوصاً العراق، من منبعها وحاميها ومفعّلها نظام طهران. خطر قاتل بحاجة إلى وعي وتكاتف اجتماعي وسياسي، قد تتحقق الحماية عند البلدان ذات الأنظمة المدنية والشعبية النقيض للطائفة. المشكلة لدى البلدان التي تتمحور سياسات نظامها حول الطائفية بجميع تفصيلاتها، كالحالة العراقية.

وجدت أحزاب ما بعد 2003 أن الاحتكار السياسي للسلطة يأتي عبر الطائفية، بعد تفعيل المنهج الطائفي الخطير في البلاد خلال مرحلة تسليمهم السلطة من قبل الأميركيين، فأطلقوا شعارات مثل العصبيات الطائفية بديلاً للانتماء الطائفي، والولاء للطائفة بدلاً عن الوطن ورمزه الدولة المدنية. الأخطر هو تحطيم النخب الوطنية لحساب زعماء الطوائف.

البساطة والتواضع في السلوك اليومي، رغم أن درجتهما غريبة على الرؤساء والحكام الشيعة من مُدّعي الإسلام في العراق، كانا من الوصايا الإسلامية للنبي محمد، وميزة صحابته

لهذا انغلقت في العراق جميع أبواب بناء معمار دولة المواطنة، حلت محلها دولة “الطائفة المتسيّدة” بأغلبيتها العددية المفروضة سياسيا وإعلاميا من ذات الحكام لإبقاء باب الاحتراب الطائفي مفتوحاً لكونه يخدم مشروع الأحزاب الطائفية الحاكمة التي تمنع نشوء نظام تعددية طائفية، فالطوائف موجودة في المجتمع العراقي منذ زمن طويل وستظل موجودة في الحاضر والمستقبل تعيش في ظل نظام ديمقراطي حقيقي.

انهيار التعددية لا يحصل إلا في ظل منظومات أحزاب تحاول بشتى السبل الوصول إلى السلطة واحتكارها، ومنع أي طائفة أخرى من منافستها أو مشاركتها من خلال مشروع الدولة الوطنية، وليست المحاصصة الطائفية التي اخترعها الحاكم الأميركي بول بريمر وتعلقت بها الأحزاب الشيعية في ما بعد.

لم تتوفر الأطر الوطنية وفق الأسس الدستورية لبناء شراكة سياسية حقيقية في العراق مستندة على قواعد الوحدة الوطنية والأسس الدستورية والمساواة القانونية والمشاركة الفعلية لجميع أبناء الطوائف والعشائر على قدم المساواة. ما يحصل هو تحطيم للنخبة الوطنية السياسية لحساب زعماء الطوائف والأحزاب الطائفية، ومقدمات لحروب دموية مصممة بصراحة لشحن العصبية الطائفية، والمطالبة العلنية لبعض الفرقاء باحتكار السلطة والاحتفاظ بها في يد نخبة الطائفة الشيعية ضد جميع الطوائف الأخرى.

هذا الحال غيّب الثقافة الوطنية لدى النخب المتشبعة بثقافة الانتقال من “عبودية الطائفة إلى تسيّدها” وعدم التردد في حروب ونزاعات طويلة مدمرة للمجتمع مانعة لقيام دولته الوطنية.

هذا يدعو النخب الوطنية العراقية، شيعية وسنيّة ومسيحية، كردية وتركمانية، إلى تبني مشروع التغيير السياسي الوطني لإزاحة هذه المنظومة المتخلفة، وليست الجاهلة بما تقوم به من وكالة لدور تدمير شعب العراق.

د. ماجد السامرائي

كاتب عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه