لاءات الخرطوم الثلاث وداعا

بقلم إبراهيم الزبيدي شباط/فبراير 07, 2023 130

لاءات الخرطوم الثلاث وداعا

من منجزات الخميني الكبيرة التي استمر في تحقيقها على مدى أربعة وأربعين عاما أنه لم يدخل بلدا من بلادنا وكان آمنا وراضيا مرضيا إلا وأفقره وأرهبه وجهَّله وأفقده سيادته وحريته.

الخرطوم حولت، مضطرة، عدوَّ أمسها اللدود إلى رفيق طريق مؤتمن

منذ نكبة عام 1948 وحتى قيام نظام الخميني في إيران لم نتوقف، نحن العرب وبعض المسلمين، عن البكاء على فلسطين، والخروج، زرافاتٍ ووحدانا، هاتفين بـ”الموت لإسرائيل”، وطالبين من الله أن ينتقم لنا من المعتدين، ولكن بالمناسبات فقط، عندما يرتكب مستوطن يهودي مظلمة أو موبقة بحق فلسطينيين.

ثم هبط الخميني من طائرته الفرنسية الباذخة على أرض مطار طهران في 1979 فأصبح “الموتُ لإسرائيل” هو الهتافَ الرسمي اليومي لمجاهدي حرسه الثوري وخلاياه الظاهرة والمستترة وراء الحدود، بمناسبة أو دون مناسبة.

فقد صار يزدري اللاءات الثلاث التي ابتدعها مؤتمر القمة العربية الشهير في الخرطوم في أعقاب هزيمة 1967، ويَعدُّها مطالبَ متساهلة انهزامية أمام إصراره على تحرير فلسطين كاملة، من النهر إلى البحر، والصلاة في القدس الشريف بعد محو إسرائيل من الوجود.

وتطبيقا لنظريته القائمة على اعتبار طريق القدس يمر بالعواصم العربية الواقعة على طريقه إلى فلسطين فقد عمد إلى احتلالنا وجاهد لإدخالنا في طاعته، بقوة السلاح والخرافة والمخدرات.

المزاج الشعبي العربي تجاه إسرائيل قلب رأسا على عقب، رغم أنها لم تُقدّم، ولم تَعِد يوما بعزمها على مبادلة هذا التطبيع بالسلم والعدالة مع الشعب الفلسطيني

ومن منجزاته الكبيرة التي استمر في تحقيقها على مدى أربعة وأربعين عاما، أنه لم يدخل بلدا من بلادنا، وكان آمنا وراضيا مرضيا، إلا وأفقره وأرهبه وجهَّله وأفقده سيادته وحريته وكرامته، وجعله دولة فاشلة مفلسة لا تصلح إلا سكنا للّصوص والقتلة والمرابين وتجار المخدرات وأصحاب الشهادات المزورة.

ويوما بعد يوم أصبحت الجماهير العربية وحكوماتُها، بعد التزام نصف قرن من الزمان بقدسية “لاءات” الخرطوم الثلاث، ترى أنَّما فعلته وما تفعله العصابات الصهيونية بالشعب الفلسطيني يُعد نزهة عابرة إذا ما قورن بالمفخخات والمسيرات والاعتقالات والاغتيالات والاحتلالات، وسياسات التجهيل والإفقار والتهميش والتمزيق الإسلامية الإيرانية الشقيقة.

ولأن الحاجة أم الاختراع فقد حولت، مضطرة، عدوَّ أمسها (الصهيوني) اللدود إلى رفيق طريق مؤتمن تستعين به على كورونا فيلق القدس، وعلى قوارض ميليشياته التي لا ترحم.

وها نحن، بفضله وعطاياه، بعد ما يقرب من ستين سنة على لاءات الخرطوم، نعود لنقبل، صاغرين، بما رفضناه بالأمس، ونُحل ما كان محرما، بل كان مجردُ التفكير فيه جريمةً قومية ودينية ووطنية لا تغتفر.

مناسبة هذا المقال هي زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي إيلي كوهين الأخيرة للسودان، وتهكمه على لاءات الخرطوم الثلاث، بقوله “نعود من الخرطوم بنعم لـ(السلام) ونعم لـ(المفاوضات) ونعم لـ(الاعتراف)”، ثم يمر تهكمه على الجماهير العربية بسلام.

وبالعودة إلى أصل الحكاية، وبتقليب صفحات تاريخ النظام الإيراني في المنطقة والعالم، نجد أن الولايات المتحدة، ومعها حلفاؤها الأوروبيون، لم تغضب منه، رغم كل موبقاته وجرائمه بحق شعبه وشعوبنا، نحن ضحاياه العراقيين والسوريين واللبنانيين واليمنيين، وبحق شعوب أخرى في المنطقة والعالم، على مدى أربعة عقود.

ولكن حين أشعل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حربه المدمرة في أوكرانيا، وهدد، صراحة، قولا وعملا، أحادية الهيمنة الأميركية على العالم، تغيرت المصالح، وتبدلت المواقف، وأصبح الشغلُ الشاغل للولايات المتحدة وحلفائها محاصرةَ روسيا ومنع أي دول أخرى من دعم رئيسها (المعتدي) (الأثيم)، والتورط في الانضمام إليه.

وهنا وقع النظام الإيراني في شر أعماله وتقديراته وحساباته الخاطئة، فظن أن مشاكسة الولايات المتحدة بإهداء طائراته المسيرة إلى عدوها الروسي سيرغمها على استرجاعه من بوتين، ثم على دعمه ونَصره على شعبه وعلى أعدائه الكثيرين في المنطقة.

تطبيقا لنظريته القائمة على اعتبار طريق القدس يمر بالعواصم العربية الواقعة على طريقه إلى فلسطين فقد عمد الخميني إلى احتلالنا وجاهد لإدخالنا في طاعته، بقوة السلاح

ولكن حسابات الحقل لم تطابق حسابات البيدر. فقد رأت الولايات المتحدة وحلفاؤها أنه خرج عن الطاعة، وسقط في المحذور، فصار لا بد من عقابه، فأغرقته في حروبه الداخلية مع شعبه، ثم أوكلت لإسرائيل، وكيلتها في المنطقة، مهمة جلده بالمسيرات والحرائق والاغتيالات المتتابعة، وصولا إلى إنهاكه، ثم إلى يومه الموعود.

وها نحن، بعد أربعة وأربعين عاما من الصبر على موبقات الحرس الثوري وميليشياته العابثة بأمننا وحريتنا وكراماتنا ورزق عيالنا، مصدقين أنه، في نهاية صبرنا الجميل، سوف يحرر لنا فلسطين، ويمحو لنا إسرائيل، ويُنسينا آلامنا وأحزاننا، لنغفر له جنائزنا ومآتمنا وأحزاننا، نجد أنه كان في خدمتها، عارفا أو غير عارف. فقد سهل لها أن تحصل، في بضع سنوات،على ما لم تكن تحلم بنيله منا في قرون.

فهو، وليس سواه من جعل قضية العرب الأولى أمنَهم وكراماتهم وحرياتهم ورزق عيالهم، وجعل فلسطين قضيتهم الثانية، وربما الثالثة أو الرابعة.

لقد قلب المزاج الشعبي العربي تجاه إسرائيل رأسا على عقب، رغم أنها لم تُقدّم، ولم تَعِد يوما بعزمها على مبادلة هذا التطبيع بالسلم والعدالة مع الشعب الفلسطيني.

وها هي إسرائيل التي يهتف بموتها كل صباح ومساء، تصول، بصواريخها وطائراتها ومدافعها وجواسيسها، وتجول في سماوات سوريا ولبنان والعراق، وفي إيران ذاتها، وتحصد كل يوم أرواح العشرات والمئات من أبنائه وأبنائنا، وبناته وبناتنا، وتدك جسورنا وموانئنا ومطاراتنا ومنازلنا ومدارسنا وأسواقنا الشعبية، وهو صامت لا يصد ولا يرد. تماما كما يفعل جميع اللصوص الجبناء.

إبراهيم الزبيدي

كاتب عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه