هواجس‭ ‬الأقليات‭ ..‬ الحق‭ ‬والانزلاق‭

بقلم د. نزار محمود آذار/مارس 16, 2023 145

هواجس‭ ‬الأقليات‭ ..‬ الحق‭ ‬والانزلاق‭

 

د. نزار محمود

تعيش‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬المجتمعات‭ ‬البشرية‭ ‬تقريباً‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بالأقليات‭ ‬تعبيراً‭ ‬عن‭ ‬قلة‭ ‬النسبة‭ ‬العددية‭ ‬لمجموعة‭ ‬اجتماعية‭ ‬تتميز‭ ‬بخصوصيات‭ ‬ثقافية‭ ‬أو‭ ‬اجتماعية‭ ‬مختلفة‭ ‬بهذا‭ ‬القدر‭ ‬أو‭ ‬ذاك‭ ‬عن‭ ‬بقية‭ ‬المجموعة‭ ‬أو‭ ‬المجموعات‭ ‬الكبيرة‭. ‬وهذا‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬وطنياً‭ ‬أن‭ ‬يلحق‭ ‬الضرر‭ ‬والغبن‭ ‬البتة‭ ‬بالأقليات‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬المتحضرة‭ ‬سياسياً‭ ‬وأخلاقياً‭ ‬وإنسانياً‭. ‬لكن‭ ‬الواقع‭ ‬في‭ ‬مجتمعات‭ ‬التخلف‭ ‬والتعصب‭ ‬لا‭ ‬يعكس‭ ‬غالباً‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬المثالية‭ ‬رغم‭ ‬التغطية‭ ‬والتستر‭ ‬ومحاولات‭ ‬التخدير‭ ‬السياسي‭ ‬والاجتماعي‭.‬

ففي‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المجتمعات‭ ‬تعاني‭ ‬الأقليات‭ ‬الأذى‭ ‬والألم‭ ‬الظاهر‭ ‬والباطن‭ ‬وقد‭ ‬تعيش‭ ‬التمييز‭ ‬وعدم‭ ‬تكافؤ‭ ‬الفرص‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الحياة‭ ‬المختلفة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يدفعها‭ ‬أحياناً‭ ‬الى‭ ‬الافراط‭ ‬في‭ ‬وطنيتها‭ ‬في‭ ‬تاكيدها‭ ‬لذاتها‭ ‬وتعبيرها‭ ‬عن‭ ‬أناها‭ ‬المضطهدة،‭ ‬أو‭ ‬لجوئها‭ ‬الى‭ ‬المعارضة‭ ‬والمخالفة‭ ‬المشروعة‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬المشروعة‭. ‬وقد‭ ‬تذهب‭ ‬الى‭ ‬العيش‭ ‬في‭ ‬تكتلات‭ ‬ومجتمعات‭ ‬موازية‭ ‬منعزلة‭.‬

هذه‭ ‬المواقف‭ ‬الرافضة‭ ‬قد‭ ‬تتخذ‭ ‬أشكالاً‭ ‬سياسية،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬عسكرية،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تشكيل‭ ‬أحزاب‭ ‬أو‭ ‬جمعيات‭ ‬أو‭ ‬تجمعات‭ ‬ظاهرها‭ ‬وطني‭ ‬عام‭ ‬وباطنها‭ ‬فئوي‭ ‬خاص‭ ( ‬أقلوي‭). ‬أو‭ ‬قد‭ ‬تذهب‭ ‬للبحث‭ ‬عن‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬الاتجاهات‭ ‬القومية‭ ‬العنصرية‭ ‬أو‭ ‬الأممية‭ ‬من‭ ‬يسارية‭ ‬متطرفة‭ ‬الى‭ ‬دينية‭ ‬متشددة‭.‬

بيد‭ ‬أن‭ ‬الأخطر‭ ‬هو‭ ‬انزلاقها‭ ‬أحياناً‭ ‬الى‭ ‬مصائد‭ ‬جهات‭ ‬خارجية‭ ‬لا‭ ‬تريد‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬الا‭ ‬أذية‭ ‬للحالة‭ ‬الجمعية‭ ‬الوطنية‭ ‬هوية‭ ‬وثقافة،‭ ‬سياسة‭ ‬واقتصاداً‭ ‬ووحدة‭ ‬مجتمعية‭.‬

وهكذا‭ ‬نرى‭ ‬نفر‭ ‬من‭ ‬الأقليات،‭ ‬وتحت‭ ‬مسميات‭ ‬وتبريرات‭ ‬مختلفة،‭ ‬يروح‭ ‬يضرب‭ ‬بمعوله‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يقع‭ ‬تحت‭ ‬سكين‭ ‬رأس‭ ‬ذلك‭ ‬المعول‭ ‬من‭ ‬قيم‭ ‬وعادات‭ ‬وثقافة‭ ‬وتاريخ‭ ‬وطني،‭ ‬مسفهاً‭ ‬ومشككاً‭ ‬ورافضاً،‭ ‬بدعاوى‭ ‬مختلفة‭.‬

ولكني‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬أستدرك‭ ‬في‭ ‬ذات‭ ‬الوقت‭ ‬وأحذر‭ ‬من‭ ‬محاولات‭ ‬الآخرين‭ ‬ممن‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬مصالحهم‭ ‬وأنانياتهم‭ ‬هيمنة‭ ‬الأكثرية‭ ‬العمياء‭ ‬والغوغائية‭ ‬للنيل‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬صوت‭ ‬حق‭ ‬وطني‭ ‬يرتفع،‭ ‬أو‭ ‬محاولة‭ ‬إصلاح‭ ‬وتجديد‭ ‬نحو‭ ‬الأفضل،‭ ‬بحجة‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الوحدة‭ ‬الوطنية‭ ‬وقدسية‭ ‬القيم‭ ‬المجتمعية‭ ‬السائدة‭.‬

ان‭ ‬هذه‭ ‬الاشكالية‭ ‬المجتمعية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬التعامل‭ ‬معها‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬سياسة‭ ‬عادلة‭ ‬متحضرة‭ ‬ووعي‭ ‬اجتماعي‭ ‬أخلاقي‭ ‬يسمو‭ ‬على‭ ‬نظرة‭ ‬الاكثرية‭ ‬المتعالية‭ ‬المتخلفة‭ ‬الملحقة‭ ‬الأذى‭ ‬بوطن‭ ‬الجميع‭.‬

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه