الموقف المعرفي وردود الفعل الديني

بقلم أ. د . سامي الزيدي نيسان/أبريل 12, 2023 227

 

 

أ. د . سامي الزيدي

للرأي العام أثره في الضغط على تغيير مجرى الأمور نحو ما يريد وليس كما يجب أن يكون . فالإعتقاد الديني والمذهبي يخضع كثيرا لمزاج العامة سيما ما يخص الطقوس والشعائر وحتى في بعض المسائل الفقهية.. فالفقيه يخشى كثيرا رأي العامة ولذلك يجامل في بعض مسائله . ولكن ما يدور في أروقة المؤسسة الدينية ليس بالضرورة هو ما يخرج للناس ، لأنهم قد يثورون لو علموا ما يتكلم به علماء المذهب وما يعلمونه حقا عن الحقيقة ، التي ربما تخالف وجهة نظر العامة التي بنيت في الأساس على الخرافة والأسطورة ، والتي لا تستند إلى مباني علمية .. ورغم ذلك تفرض نفسها وبقوة على رأي الفقيه ، الذي لا يمتلك الا الإذعان لتلك الوجهة المفروضة عليه .
فما يكتب في مؤلفات علماء المذاهب مخالف لما يطرحه العامة ويسكت عنه الفقهاء والعلماء . وكثير من الحوادث التي وقعت لكبار الفقهاء لأنهم أظهروا آراءهم بوضوح عند العامة واعترضت عليهم ، وفسقوا وأخرجوا من مكانتهم العلمية ، وزالت عنهم صفة التقليد ، ولم يسندهم علماء آخرين مع معرفتهم يصدق آراءهم ، لأنهم خشوا على مركزهم ومكانتهم من اولئك العامة .
ممكن القول إن هذا الأمر كان في سابق السنين أما اليوم وبعد القفزات الكبيرة في عالم التقنيات ، والتي جعلت الإنسان وجها لوجه مع التطورات الحضارية والعلمية ، وانفتحت أمامه آفاق معرفية جديدة ، مما ولد لديه تساؤلات عدة تحتاج إلى إجابات علمية بمستوى التطور ، وليست ساذجة كما كانت في السابق تتفق مع وجهة النظر الخرافية لدى العامة . فصار لزاما أن ترتقي الأطروحات الدينية إلى مستوى الذهنية الجديدة المتكونة من تطور مستوى التلاقح الثقافي الذي صنعته العولمة ، فالعالم لم يعد كما كان سابقا ، والإنسان لم يكن ابن بيئته المنغلقة على نفسها إذ اتسعت بيئة الإنسان وتنوعت وأخذت مرجعيات الإتصال تتنوع ولا تنحسر برجل الدين كما السابق ، وعلى رجل الدين أن يجيب على الاسئلة والاشكالات المتولدة نتيجة ذلك وعلى درجة من العلمية والاحترام لتلك الآراء دون تخوين أو استفزاز . وان لايظل منحسرا في طريقته السابقة التي فرضتها ذهنية العامة قبل التطور والامتزاج الثقافي ، لان ذلك ربما يسبب نفورا واضحاً من قبل الناس من الدين لعدم قدرته على احتواء اتباعه وتلبية احتياجاتهم المعرفية وارضاء فضولهم المعرفي واجابتهم عن شكوكهم الاعتقادية بروح التسامح والود وعدم استخدام أساليب التخوين والتجهيل . فليس لكثرة الإشكالات علاقة بالخروج من الدين أو المذهب إنما هي بحث عن الحقيقة لزيادة الايمان والتدين العقلاني بعيدا عن الاوهام والخرافات التي ليست من اصل الدين ، إنما هي تدين شعبي ممتزج بالعادات الإجتماعية والقيمية ، تسربت في أزمنة الجهل الاجتماعي للدين وفرضت سلطتها عليه وهيّئت الأرضية لنمو الخرافة واستمرار الفعل الطقوسي الشعبي المؤاطر بالدين ، وارغمت الفقهاء على مسايرته وقبوله تماشيا مع الواقع المفروض .

قيم الموضوع
(1 تصويت)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه