أمطار‭ ‬الفرح‭ ‬تغسل‭ ‬أحزان‭ ‬الغيوم

بقلم د. نزار محمود نيسان/أبريل 20, 2023 93

أمطار‭ ‬الفرح‭ ‬تغسل‭ ‬أحزان‭ ‬الغيوم

 

د. نزار محمود

 

كان‭ ‬قد‭ ‬اعتاد‭ ‬الحزن‭ ‬والتذمر،‭ ‬فلم‭ ‬يكد‭ ‬يمضي‭ ‬يوم‭ ‬الا‭ ‬وكان‭ ‬قد‭ ‬سطر‭ ‬في‭ ‬دفتر‭ ‬كتاباته‭ ‬حكاية‭ ‬تحكي‭ ‬الألم‭ ‬والشكوى،‭ ‬وكأن‭ ‬خياله‭ “‬مغناطيساً‭” ‬يجذب‭ ‬اليه‭ ‬قصص‭ ‬التعساء‭ ‬والغلابة،‭ ‬حتى‭ ‬أن‭ ‬أقرب‭ ‬أصدقائه‭ ‬رغم‭ ‬محبتهم‭ ‬له،‭ ‬كانوا‭ ‬قد‭ ‬سئموا‭ ‬أحاديثه‭. ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬بصره‭ ‬لا‭ ‬يرى‭ ‬الا‭ ‬اللون‭ ‬الأسود‭ ‬في‭ ‬الحياة،‭ ‬وربما‭ ‬تجاهل‭ ‬عن‭ ‬عمد‭ ‬أو‭ ‬دونه‭ ‬رؤية‭ ‬ما‭ ‬يمر‭ ‬من‭ ‬أمام‭ ‬عينيه‭ ‬من‭ ‬ألوان‭ ‬بيضاء‭ ‬وأخرى‭ ‬ملونة‭ ‬زاهية‭.‬

كما‭ ‬كان‭ ‬صاحبنا‭ ‬يعاني‭ ‬منذ‭ ‬سنين‭ ‬من‭ ‬بطالة‭ ‬متكررة‭ ‬جراء‭ ‬تركه‭ ‬العمل‭ ‬بسبب‭ ‬عدم‭ ‬انسجامه‭ ‬مع‭ ‬زملائه‭ ‬أو‭ ‬بسبب‭ ‬انهاء‭ ‬عقد‭ ‬عمله‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬أرباب‭ ‬العمل‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يجدوا‭ ‬فيه‭ ‬ما‭ ‬يساهم‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬بيئة‭ ‬عمل‭ ‬مشجعة‭ ‬ومحفزة‭ ‬ومتفائلة‭.‬

في‭ ‬أحد‭ ‬الأيام‭ ‬ذهب‭ ‬ليجلس‭ ‬في‭ ‬احدى‭ ‬حدائق‭ ‬المدينة‭ ‬التي‭ ‬قامت‭ ‬فيها‭ ‬أشجار‭ ‬جميلة‭ ‬باسقة‭ ‬وكست‭ ‬أرضها‭ ‬خضرة‭ ‬نضرة‭ ‬وزينت‭ ‬وجه‭ ‬ساحاتها‭ ‬ورود‭ ‬تنوعت‭ ‬ألوانها‭ ‬وأشكالها‭.‬

وبينما‭ ‬هو‭ ‬جالس‭ ‬يفكر‭ ‬في‭ ‬أحوال‭ ‬الحياة‭ ‬ويجتر‭ ‬همومه‭ ‬اذ‭ ‬يقترب‭ ‬منه‭ ‬شاب‭ ‬يتحرك‭ ‬على‭ ‬كرسي‭ ‬كهربائي‭ ‬وهو‭ ‬يبتسم‭ ‬في‭ ‬وجهه‭ ‬محيياً‭ ‬إياه‭ ‬بابتسامة‭ ‬جميلة،‭ ‬وقد‭ ‬بدت‭ ‬عليه‭ ‬سعادة‭ ‬لا‭ ‬توصف‭.‬

يحدق‭ ‬صاحبنا‭ ‬المتشكي‭ ‬في‭ ‬عيون‭ ‬ذلك‭ ‬الشاب‭ ‬المقعد،‭ ‬وهو‭ ‬مندهش‭ ‬بسعادة‭ ‬ذلك‭ ‬الشاب‭ ‬المقعد،‭ ‬ثم‭ ‬استأذن‭ ‬الشاب‭ ‬بسؤاله‭:‬

ما‭ ‬الذي‭ ‬يجعلك‭ ‬سعيداً‭ ‬كما‭ ‬أراك؟

أجابه‭ ‬الشاب،‭ ‬بكل‭ ‬الثقة‭: ‬انني‭ ‬انظر‭ ‬الى‭ ‬حياتي‭ ‬في‭ ‬جوانبها‭ ‬المشرقة،‭ ‬وأغض‭ ‬البصر‭ ‬عن‭ ‬جوانبها‭ ‬المظلمة‭!‬

لكن‭ ‬صاحبنا‭ ‬لم‭ ‬يقتنع‭ ‬بإجابته،‭ ‬فاستسمحه‭ ‬بسؤال‭ ‬ثان‭: ‬ولكنك‭ ‬مقعد،‭ ‬لا‭ ‬تقوى‭ ‬حتى‭ ‬الوقوف،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬المشي‭ ‬والحركة‭!‬

ابتسم‭ ‬الشاب‭ ‬المعوق،‭ ‬ثم‭ ‬قال‭: ‬يا‭ ‬صديقي،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬الفرق‭ ‬بيني‭ ‬وبينك،‭ ‬وقد‭ ‬لاحظت‭ ‬في‭ ‬وجهك‭ ‬الغم‭ ‬والحزن‭ ‬والتذمر‭. ‬لو‭ ‬كان‭ ‬الوقوف‭ ‬والمشي‭ ‬وغيرها‭ ‬تجلب‭ ‬السعادة‭ ‬للإنسان‭ ‬لوجدتك‭ ‬مبتسماً‭ ‬سعيداً‭! ‬ألا‭ ‬تتفق‭ ‬معي‭ ‬بهذا؟‭ ‬أرجو‭ ‬الآن‭ ‬أن‭ ‬تعذرني‭ ‬بالذهاب،‭ ‬لأني‭ ‬أحمل‭ ‬بعض‭ ‬البذور‭ ‬لطيور‭ ‬اعتادت‭ ‬أن‭ ‬أطعمها‭!‬

وهكذا‭ ‬يترك‭ ‬الشاب‭ ‬المعوق‭ ‬صاحبنا‭ ‬المتذمر‭ ‬ويمضي‭ ‬إلى‭ ‬شأنه‭.‬

بقي‭ ‬صاحبنا‭ ‬لدقائق‭ ‬مشدوهاً‭ ‬ومتأملاً‭ ‬بما‭ ‬قاله‭ ‬ذلك‭ ‬الشاب‭ ‬المقعد،‭ ‬ثم‭ ‬عاد‭ ‬الى‭ ‬نفسه‭ ‬طارحاً‭ ‬عليها‭ ‬أسئلة‭ ‬تزاحمت‭ ‬في‭ ‬رأسه‭ ‬حول‭ ‬معنى‭ ‬السعادة‭ ‬والفرح‭ ‬في‭ ‬الحياة،‭ ‬فلم‭ ‬يجد‭ ‬خيراً‭ ‬من‭ ‬القناعة‭ ‬والرضا‭ ‬بما‭ ‬قسمه‭ ‬الله‭ ‬للإنسان،‭ ‬الرحمن‭ ‬الرحيم‭ ‬الحكيم‭ ‬العادل‭!‬

لقد‭ ‬ترك‭ ‬ذلك‭ ‬اللقاء‭ ‬أثراً‭ ‬بالغاً‭ ‬في‭ ‬عقلية‭ ‬ونفسية‭ ‬صاحبنا،‭ ‬لأنه‭ ‬كان‭ ‬عفوياً‭ ‬صادقأ

وكانت‭ ‬نظرات‭ ‬ذلك‭ ‬الشاب‭ ‬المقعد‭ ‬وكلماته،‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تغادر‭ ‬ذاكرة‭ ‬صاحبنا،‭ ‬إيذاناً‭ ‬بحياة‭ ‬جديدة‭ ‬مختلفة‭ ‬تماماً‭ ‬عن‭ ‬ما‭ ‬سبقها‭ ‬من‭ ‬سنين‭. ‬لم‭ ‬بعد‭ ‬صاحبنا‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬الا‭ ‬جميلها،‭ ‬ولم‭ ‬تعد‭ ‬همومها‭ ‬ومشاكلها‭ ‬عنده‭ ‬سوى‭ ‬ظواهر‭ ‬عارضة‭ ‬وأقدار‭ ‬يجب‭ ‬على‭ ‬الإنسان‭ ‬تحملها،‭ ‬ممتلكاً‭ ‬العزم‭ ‬على‭ ‬تجاوزها،‭ ‬وراضياً‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬حال‭ ‬على‭ ‬تقبلها‭. ‬لقد‭ ‬غسل‭ ‬ذلك‭ ‬اللقاء‭ ‬القصير‭ ‬عتمة‭ ‬وأحزان‭ ‬الغيوم‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تحوم‭ ‬في‭ ‬رأس‭ ‬صاحبنا،‭ ‬متخيلاً‭ ‬إياها‭ ‬حاملات‭ ‬أمطار‭ ‬فرح‭ ‬وسعادة‭!‬

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه