أميركا واليونيسكو... ساحة الألعاب الجيوسياسية

بقلم إميل أمين تموز/يوليو 08, 2023 101

أميركا واليونيسكو... ساحة الألعاب الجيوسياسية

 

إميل أمين

 

بعد غياب طال نحو 6 سنوات، ها هي الولايات المتحدة الأميركية، تعود إلى الحاضنة الثقافية الأممية، اليونيسكو، الأمر الذي يفتح الطريق واسعاً لتساؤلات جذرية حول العودة وأسبابها، ومن قبلها الانسحاب ودوافعه، عطفاً على التاريخ الجدلي الطويل بين واشنطن والمنظمة التي تتمثل رسالتها في الاهتمام بالتراث العالمي من جهة، وإرساء السلام العالمي من خلال التعاون الدولي في مجال التربية والعلوم والثقافة من جهة ثانية.

قطعاً، لا يمكن فهم دوافع العودة الأميركية التي بدت متلهفة لليونيسكو في الحاضر، إلا في ضوء العقود الأربعة الماضية، هناك حيث كثرت الذرائع الخلافية الآيديولوجية خلال الحرب الباردة، وتالياً بسبب الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني.

لم يكن انسحاب الرئيس دونالد ترمب من اليونيسكو عام 2017 هو الأول من نوعه أميركياً، ففي عام 1983، انسحب الرئيس الأميركي رونالد ريغان، رفضاً لسياسات اليونيسكو، التي اعتبرت غير محايدة أو نزيهة بما يكفي تجاه حلف وارسو.

أما ترمب، فقد انسحب تحت حجة انحياز اليونيسكو لفلسطين، وقبله كان باراك أوباما قد أوقف تمويل اليونيسكو في 2011، بعد منح فلسطين العضوية الكاملة لليونيسكو، الأمر الذي مثّل انتكاسة مالية كبيرة للكثير من مشاريعها حول العالم، سيما أن مساهمات أميركا، تعادل 22 في المائة من إجمالي ميزانية اليونيسكو.

يخطر لنا التساؤل: «لماذا تُقدم واشنطن وبقوة هذه المرة على تفعيل دورها في اليونيسكو، وهل تمتلك هذه المنظمة مقدرات عسكرية، قادرة على أن ترسم ملامح العالم ومعالمه، ولهذا تتطلع أميركا إلى تطويعها خدمة لاستراتيجياتها الكبرى؟».

والثابت أن اليونيسكو جاءت استجابة لحرب عالمية اتسمت بالعنصرية وأعمال العنف المحملة بالعنصرية ضد بعض الشعوب، واليوم تبدو هناك حاجة مشابهة، لا سيما أن الأحداث إن لم تتكرر فإنها تتشابه.

بدت رسالة اليونيسكو تتمحور حول تفعيل السلم والأمن عبر الميكانيزمات الثقافية والفكرية، خصوصاً أن الترتيبات السياسية والاقتصادية للحكومات، لم تعد تكفي لضمان التزام الشعوب التزاماً ثابتاً ومخلصاً، ومن هنا بدت الحاجة إلى مرتكزات الحوار والتفاهم، عطفاً على التضامن الفكري والمعنوي بين بني البشر.

إضافة إلى ذلك، تسهم برامج اليونيسكو في تحقيق أهداف التنمية المستدامة المحددة في خطة التنمية الدولية لعام 2030 التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2012.

حكماً، لم تكن هذه الأغراض مغرية بشكل كبير حتى الساعة للولايات المتحدة، ما جعلها مرات عدة تضرب باليونيسكو عرض الحائط، غير أن رؤى حديثة باتت تنفذها اليونيسكو، ربما دفعت الأميركيين إلى طريق قراءة الأزمنة المعاصرة، واستشراف مآلات الأيام، خصوصاً في ضوء التساؤل غير البريء عن تسييس اليونيسكو.

والمؤكد أنه بعد أدوار رائدة لليونيسكو على صعيد الحياة الثقافية والتراثية دولياً، من نوعية استنقاذ معابد أبو سمبل في ستينات القرن المنصرم، جنوب مصر، التي كادت تطمرها المياه بعد بناء السد العالي، بدت هناك إرهاصات لأدوار سياسية.

ففي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، كتبت آنا سومرز كوكس، الصحافية الإيطالية المهتمة بشؤون التراث، عبر صحيفة «آرت نيوز»، قائلة: «ابتعدت منظمة اليونيسكو عن المبادئ التي تقوم عليها اتفاقية التراث العالمي لعام 1972 لحماية المواقع التراثية بوصفها صالحاً مشتركاً»، وأضافت: «عملت بعض الدول على تحويل ما كان نهجاً تقنياً ومهنياً إلى نهج سياسي، من خلال التحالفات والصفقات السرية للحصول على المواقع المقبولة في قائمة التراث العالمي، وتجنب العقوبات في حالة سوء إدارة المواقع».

لا يتوقف الأمر عند اتهامات كوكس، بل يتخطاها إلى منعطفات مصيرية وجوهرية، موصولة بحياة البشر ومستقبلهم التكنولوجي في العقود المقبلة، ومن يمكن أن تصبح له اليد العليا... ماذا عن ذلك؟

ربما نجد الجواب طي الشهادة التي أدلى بها وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، في شهر مارس (آذار) الماضي، أمام لجنة تابعة لمجلس الشيوخ الأميركي، خلال تقديم الميزانية. إذ قال يومها حرفياً: «أعتقد أننا بحاجة للعودة إلى اليونيسكو مرة أخرى بشدة، لا من قبيل تقديم هدية لهذه المنظمة الدولية، بل لأن الأشياء التي تحدث هناك مهمة حقاً».

إنها البراغماتية الأميركية التقليدية إذاً، حيث تنتصر الواقعية على المثالية، وتربح الجاكسونية في مقابل الويلسونية ضمن الصراع الأميركي الداخلي الأبدي.

تبدو هناك قضية، لم يعد أحد يداريها أو يواريها، هي محور تطلعات البشر في السنوات والعقود المقبلة، هي قضية الذكاء الاصطناعي، ثم عالم الذكاء الاصطناعي الفائق، التي سترسم محددات الإنسان ورؤاه، وقد تهدد وجوده من الأصل.

يعتقد بلينكن أن في اليونيسكو «يعملون لتخليق قواعد وأعراف ومعايير الذكاء الاصطناعي، وعلينا أن نكون هناك».

لكن نكون هناك في مواجهة مَن؟ حكماً الصين، أكبر مساهم في اليونيسكو، ما يجعل منها ثقلاً كبيراً في توجيه دفة الأحداث، بل وصناعتها ثم صياغتها، لكي تضمن الثقل الكبير، بينما تغيب واشنطن من على الطاولة.

لا تتوقف مخاوف أميركا من صحوة اليونيسكو، ومحاولات الصين فرض وجودها مالياً وأدبياً، ذلك أن هناك توجهاً عالمياً رافضاً لفكرة «أمركة العالم» بوصفها أمراً مألوفاً ومعروفاً وموصوفاً.

إن نظرة متأنية للمشهد الكوسمولجي، تنبئ بأن التنوع الثقافي يتعرض للاعتداء، وأن استفاقة ممجوجة للتيارات الفاشية والعنصرية تجري بها الأحداث، ما يخلق تحديات خطيرة تعترض سلام الأوطان وحقوق الإنسان.

تبدو اليونيسكو متمسكة بواجبها المتمثل بتأكيد أهمية المهام الإنسانية للتعليم والتثقيف، ولإبداء الرأي والمشورة، فيما يخص الأمور الفكرية المتقاطعة مع مستقبل النظام العالمي الجديد، ما يجعل أميركا تبحث وسط هذا كله عن مصالحها الخاصة جداً.

لم تشهد عودة أميركا لليونيسكو ترحيباً صينياً أو روسياً كبيرين، وذلك لأن الصينيين رفضوا اعتبار المنظمات الدولية ساحة للألعاب الجيوسياسية، وأنه لا يمكن للولايات المتحدة أن تأتي وتذهب كما يحلو لها.

أما الروس فقد رأوا أن استعادة أميركا العضوية أمر حدث عكس ميثاق الأمم المتحدة وبالتفاف على قواعد المنظمة الأممية.

هل عودة أميركا خطوة في طريق رسم خريطة جديدة لليونيسكو؟

هل السعي الأميركي الوازن حول العالم، يعني تراجع دعاة الانعزالية وتقدم حملة رايات الانتشار المعولم؟

وللحديث بقية...

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه