"وحياة قلبي وأفراحو"

بقلم حكيم مرزوقي تموز/يوليو 11, 2023 124

"وحياة قلبي وأفراحو"


عبارات التهاني بالنجاحات و"الهارد لاك" للإخفاقات تستمر على أثير الإذاعات وعلى صفحات مواقع التواصل الاجتماعي.

ماذا هناك بعد هذه النجاحات؟
يروى عن صديقنا الضحوك “شوكو” أن ابنه الذي اجتاز امتحانات الثانوية العامة بامتياز أي بمعدل 14 من 20، عاد مبتهجا إلى البيت ليزفّ له بشرى نجاحه، قائلا “بابا جبت 14″، فما كان من الأب الممدد على فراشه نصف عار وهو يعاني الحر والإفلاس وينش الكدر عنه والذباب أن رد عليه “برافو.. حطهم في البرّاد وأعط لأمك باقي النقود”.

طبعا كان صديقنا “شوكو” يظن أن ابنه عاد من المتجر بـ14 زجاجة بيرة كما كان يكلفه بهذه المهمة في الأيام الميسورة، ولم يخطر بخلده أن الأمر يتعلق بمجرد رقم معدل امتحان في البكالوريا التي لا تعني له شيئا سوى المزيد من المتاعب.

14 عبوة خضراء من تلك الصهباء المنعشة تعني الكثير بالنسبة إلى الرجل الذي قد يصفه البعض بالاستهتار، وتدخل البهجة إلى روحه في هذا الجو الخانق الحانق، لكنها مصدر استياء في الوسط الاجتماعي الذي يقدر العبرة بالنتائج.

وتستمر عبارات التهاني بالنجاحات و”الهارد لاك” للإخفاقات على أثير الإذاعات وعلى صفحات مواقع التواصل الاجتماعي اعتقادا من الجميع أننا نسير نحو تحقيق الغايات المنشودة في بناء مجتمع سعيد بنسبة تفوق الـ14 من 20.

وتكثر الأحاديث عن التشكيك في نتائج الامتحانات والتسريبات وأساليب الغش الملتوية التي استفادت من الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات، دون أن يكلّف الواحد منا سؤال النفس ماذا بعد هذه “النجاحات”؟

ضعف في المناهج والتوجيهات وفشل في الإستراتيجيات التربوية والتعليمية، وخور في التعيينات الوظيفية.. ذلك هو ما ينتظر جميع المرددين مع أغنية عبدالحليم على الإذاعات الآن “وحياة قلبي وأفراحو” و”الناجح يرفع إيدو”.

كان صديقنا “شوكو” يردد هذه الأغنية في شبابه باصطهاج شديد، ودون أن يحصل على شهادة الثانوية العامة.. يكفيه 14 على 20 من تلك العبوات الخضراء الباردة حتى يحشو رأسه الصغيرة الخالية من معلومات لن يحتاج إليها أبدا.

وكانت الحياة سعيدة دون حاجة إلى غش ومحاباة وتعيينات فردية أو جماعية.. يكفي أن يتناول المرء عشاءه بهناء، ويغني مع عبدالحليم، دون حاجة إلى نجاح.

ماذا يعني أن يملأ الواحد أدراج ذاكرته بمعاني “حتى”، ومجموعة أحكام ما أنزل الله بها من سلطان، في الوقت الذي يسير فيه العالم على إيقاع أحدث الإنجازات التكنولوجية والرقمية.

ليس الأمر دعوة إلى إدارة الظهر نحو الآداب والفنون والكنوز التاريخية واللغوية، لكنه وقفة تأمل في ما نحن عليه ضمن مفهومي النجاح والرسوب، وضرورة إعادة النظر في المناهج التعليمية وتقوية المهارات بدل إثقال المحافظ المدرسية برزم الكتب التي لا تقول شيئا.

أفرح اليوم لشهادات الامتياز التي تأتي بها ابنتي من المدرسة، لكنني أنظر بعين التفاؤل إلى كسل شقيقها الذي يمقت الدروس الخصوصية، وعيناي - مثل شوكو - على البراد في هذا الحر القانط.

حكيم مرزوقي


كاتب تونسي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه