إذا أنت اكرمت الكريم ملكتهُ

بقلم علي العوادي تموز/يوليو 13, 2023 140

علي العوادي

يولد الإنسان بصفحة بيضاء لا تشوبها شائبة فيتحكم المحيطون به بحيثيات تلك الصفحة الناصعة فيكتبون ما يشاؤون كتابته ، وسرعان ما تمر الايام والسنون ليصبح ذلك الطفل الصغير شابا يافعا يعي ما يقول وما يفعل ، وهنا تبدأ عملية المراجعة والصراع النفسي في جوانحه ليميز صالح الأفعال من طالحها ، لتبدأ عملية أخرى مصيرية في حياته فهو بنى في مخيلته أن بعض ما اكتسبه من محيطه الاجتماعي أصبح ثوابت لا يمكن مخالفتها ، وشيئا فشيئا يدرك أن بعض تلك الثوابت تستحق الاهتمام بل وتستحق أن تكون بمثابة مبادىء أخلاقية حميدة له ولغيره يستوجب الالتزام بها والسير على حيثياتها في مسيرة الحياة المعقدة ، اما بعضها فما هي إلا ترهات اكتسبها من حيث يدري ولا يدري لذا يسارع إلى محوها من ram ذاكرته حتى لا تؤثر على سلوكه وتعامله مع مجتمع واسع الأطياف ومتعدد الثقافات غالباً ما ينبذ ويستهجن كل قول أو فعل قبيح ويستحسن من الكلمات والافعال صالحها ، وهنا يمكننا القول ان من يحملون هكذا سلوك ويخشون على سمعتهم وسمعة عوائلهم أكثر من راحة أجسادهم وأنفسهم لا بد أنهم نتاج بذرة طيبة بذل الآباء والأجداد -من أجل نموها نمواً طيباً - جهوداً مضنية كلفتهم الكثير لأن الأخلاق تنبت كالنبات وأن بناء السمعة يستغرق عشرات السنين أما تدميرها فلا يتعدى دقائق محدودة.
يقول الفلاسفة وعلماء النفس أن الإنسان الملوث داخلياً لا يستوعب في عقله وجود بشر انقياء يتعاملون مع الصديق والغريب بأسلوب واحد واضح لا تشوبه شائبة بل على العكس من ذلك فهو يظن - بسبب نفسه المريضة - أن كل أفعال الآخرين مهما كانت إيجابياتها وحسن نوايا أصحابها لا تخرج عن هذا الاعتقاد المنحرف الذي ترسخ في جوانحه وعشعش فيها كما عشعش في عقول أبويه من قبل الذين جرعاه -منذ نعومة أظفاره - أفكاراً مسمومة قوامها الريب في كل كلمة تطرق مسامعه أو فعل صدر أو يصدر من الآخرين الذين تربطهم به صلة رحم أو قرابة أو صداقة متناسيا كل معروف أو حتى كلمة طيبة صدرت منهم تجاهه لأنه لا يظن إلا ما بنفسه التي تربت على اللؤم والحقد متخفياً بجلباب النسك والتقوى ورداء الأخيار والوجهاء وهو منه براء كبراءة الذئب من دم يوسف متناسياً قول الله تعالى في محكم كتابه الكريم (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان) وأن ما في الآباء سيكتسبه الأبناء لا محالة وأن من شب على شيء شاب عليه وصدق من قال: إذا أنت اكرمت الكريم ملكتهُ... وإن أنت اكرمت اللئيمَ تمردا.

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه