تحديات الزراعة المعاصرة

عمر سعد سلمان

أن ثورة الميكانيك التي عرفتها الزراعة في النصف الأول من القرن العشرين تلتها ثورة كيمياوية، تضاعفت من خلالها كميات الأسمدة غير العضوية المستخرجة من النفط من 4 الى 143 مليون طن بين عامي 1950 -1989 وتصاعدت كميات المبيدات المنتجة من 100 ألف طن عام 1950 الى 3.2 مليون طن في عام 1986.
لقد أدى التقدم في تربية الموشي واستدخال الزراعة أحادية النوع الى مردود عالي وزيادة مذهلة في الإنتاج الغذائي خلال القرن العشرين مصحوبة حتماً بتقليص العمل البشري اللازم في الاستثمارات الزراعية. ففي عام 1850 كان 60% من القوى العاملة بالولايات المتحدة يعملون في الزراعة ولكن اليوم لا تشكل سوى 2.7% وقد كان المزارع في عام 1850 ينتج ما يكفي لإطعام 4 اشخاص بينما اليوم أصبح المستثمر الزراعي قادراً على اطعام 78 شخصاً. ولكي يتم تعرية وتآكل التربة بسبب الزراعات المكثفة تم استخدام الأسمدة المركبة التي أدت الى انتشار النيترات في التربة والتي قامت بتلويث المياه الجوفية وتسربت مؤخراً الى مياه الأنهار القريبة.
حققت الزراعة أحادية المحاصيل اقتصاديات واسعة الحجم وكسباً في الإنتاجية ولكن ثمنها استعمال أكبر للمبيدات. والمزارع التقليدية كانت تقوم على الزراعة المتنوعة وكانت تستهوي انواعاً مختلفة من الحشرات وكان بعضها العدو الطبيعي للحشرات المؤذية للزراعة. ان خيارات الزراعة أحادية المحصول على حساب الزراعة المتنوعة أدى الى اختفاء هذه القناصات المفيدة معرضة بذلك المحاصيل لهجوم حشرات أخرى مما استدى اللجوء المتكرر للمبيدات. ومعظم هذه المواد بعد ذرها تدخل الى طبقة المياه الجوفية وتصبح المصدر الأساسي لثلوث المياه. هذه المبيدات تفتك ايضاً في ما تبقى من التربة كالبكتريا والفطريات والديدان التي تساهم في خصوبة وبنائية التربة. وهكذا تفقد المزارع في الولايات المتحدة أكثر من 4 مليارات طن من الطبقة الصالحة للزراعة سنوياً بفعل التقنيات المستخدمة منذ النصف الثاني من القرن العشرين، وقد خسرت الولايات المتحدة خلال حقبة سبعينات القرن الماضي ثلث التربة القابلة للزراعة. وان المكننة المتزايدة في القطاع الزراعي أدت الى زيادة استهلاك البنزين وانبعاثات Co2. ان الكلفة التمويلية لهذه الزراعة فائقة التقنية أدت الى اختفاء العديد من المنشأت العائلية الصغيرة التي لم تستطع المواجهة، فالزراعة الحديثة تتطلب اقتصادات واسعة الحجم وتدفقاً ضخماُ لرؤوس الأموال. ومع مطلع تسعينات القرن الماضي أصبحت 32 ألف منشأة ضخمة تؤمن 39% من مبيعات الإنتاج الزراعي.
بعد ان قلبت الثورة الكيمائية الولايات المتحدة وأوروبا فاضت هذه الثورة الى الدول النامية في ستينات القرن العشرين وفتحت الطريق الى الثورة الخضراء وخاصة في اسيا التي شهدت آنذاك انفجاراً سكانياً، دفعت العلماء الى تطوير أنواع جديدة من القمح والأرز لزيادة انتاج الهكتار المزروع، وقد تمكنت الهند وباكستان من مضاعفة الإنتاج الزراعي باستخدام الأسمدة والمبيدات البتروكيماوية. ومنذ ذلك الوقت استمرت هجرة صغار المزارعين من الريف الى المدينة مع مواصلة المنشأت الكبيرة في التوسع مستفيدة من رؤوس أموالها الضخمة والتي وظفتها في استثمارات واسعة النطاق وبنظام الزراعة الأحادية المعدة للتصدير أكثر مما هي للاستعمال المحلي.
تعتمد الزراعة العالمية اليوم على مصادر الطاقة الأحفوري ويجب الحفاظ عليها ودفعها للنمو المواكب للنمو السكاني، وعلى الرغم من ان الخام لا يزال رخيصاً ويوجد انتاج زراعي كثيف فان نصف سكان العالم لا يزالون يعانون من سوء التغذية. ولنتصور ما سيحدث عند بلوغ انتاج النفط العالمي الذروة ثم الارتفاع غير المعكوس للأسعار. اقصى حل تقدمه معامل التقنيات الحيوية هي الاطراء على فضائل الزراعات المعدلة جينياً. ولكنها هي ايضاً تحتاج الى اسمدة كيميائية ضخمة مما يعني مزيداً من التمويل.
ولذلك فان تطلعات الزراعة تبدو مظلمة أكثر حين نعرف ان الإنتاج الحيواني وتربية الدواجن تغطي 11% من مساحة اليابسة والباقي لا يتلائم الا بصعوبة مع زيادة هذه المساحات. مما دفع السكان لاقتلاع أجزاء من غابات الامازون من اجل الحصول على مساحات للإنتاج الزراعي مما يعني فناء العديد من الأنواع الحيوانية والنباتية النادرة.
وتبزر تحديات كبيرة أبرزها هي ان زراعة الأراضي تشكل المحاصيل البقولية المعدة للحيوانات بحدود الثلث. وتستهلك المواشي طاقة أكثر من النباتات فاذا تخلى المستهلكون في الغرب وغيرهم عن نظامهم الغذائي الغني باللحوم واستبداله بنظام نباتي بشكل أساسي فسوف يساهمون في تحرير مساحات شاسعة قابلة للزراعة مما يؤدي الى اشباع ملايين الأشخاص لكن حتى يسمح للأكثر فقراً الحصول على أراضي وزراعتها فان تحولاً في العادات الغذائية الغربية يجب ان يصاحبها اصلاح زراعي وتغيرات بنيوية.

قيم الموضوع
(1 تصويت)
عمر سعد سلمان

كاتب عراقي

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه