الصناعة بوابة التنمية الاقتصادية

عمر سعد سلمان


ان ظهور قطاع صناعي ذا حجم مناسب له تأثير اقتصادي ملموس صار يتطلب مجموعة من المقومات الخاصة في عصرنا هذا، عصر التقنية المتطورة، وهذا ينطبق على أي بقعة تريد تحقيق تقدم صناعي.
لم تعد مقومات الصناعة تتمثل فقط في توفر الايدي العاملة الرخيصة او الأسواق المحلية الكبيرة او الغابات والانهار وما الى ذلك من المقومات التي كانت تعتبر أساسية في القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر، بل وحتى الى تسعينات القرن العشرين. ومع ان توفر هذا النوع من المقومات يظل مفيداً وذا أهمية فعالة في التنمية الاقتصادية، الا ان مقومات صناعات القرن الحادي والعشرين قد تغيرت نتيجة للثورة التقنية المعاصرة.
في القرون السابقة قامت الصناعة وتبعها التطور في المجالات الأخرى، في مجال التجهيزات الأساسية والخدمات داخل الدولة وخارجها. وفي السابق جاع الناس ومات العمال من سوء التغذية والاستغلال لكي يكون راس المال وتقوم الصناعة. وفي السابق كان لابد من وجود طبقة رأسمالية يحكمها الجشع ودافع الربح والرغبة في تكوين الثروات الطائلة. وفي الماضي فتحت الأسواق بالقوة عن طريق القهر والاستعمار لبيع المنتجات والحصول على المواد الأولية. وكانت الحكومات وجيوشها أدوات لحماية القطاع الصناعي وتوسيعه. وفي الماضي كانت الصناعة هي التي تدفع التطور التقني وتوسع البحث العلمي والاختراعات.
وفي القرن الحادي والعشرين تغيرت مقومات الصناعة رغم ان المقومات السابقة بقيت مهمة لكن المقومات الجديدة أصبحت أساسية، مما جعل التطور الصناعي ممكناً وأسهل من السابق. النقطة الأولى هي وجود قاعدة علمية وتعليمية واسعة وقادرة على استيعاب التقنيات الحديثة في الصناعة. وثانياً توفر رأس المال بكميات كبيرة ودون ارهاق طبقات الشعب، فقد لجأت الحكومات سابقاً الى الضغط على شعوبها عبر الادخار لغرض الاستثمار الصناعي وهذا غير ممكن في الوقت الحاضر، ولن تنجح الدول التي تحاول تطبيقه في تحقيق هدفها. خصوصاً ان شعوب القرن الحادي والعشرين لن تقبل ارهاق الثورة الصناعية كما حدث في القرون الماضية. مع الاخذ بنظر الاعتبار ان النهب الاستعماري كان المصدر الأول في الثورة الصناعية وليس المدخرات الفردية كما يعتقد. وثالثاً توفير الجو المناسب للانطلاق نحو التصنيع مثل الحوافز الأساسية والاقتصادية المتعددة والمتشعبة مثل توفير المناطق الصناعية وتوفير المساعدات والاعانات غير المباشرة لعناصر الإنتاج كالأسعار الخاصة للماء والوقود والكهرباء واعانات التدريب واعفاء الآلات والمعدات والحماية الجمركية المناسبة.
والنقطة الأخيرة هي وجود الحماس والدافع الشعبي نحو الصناعة، ويوجد ناس لديهم هواية الاستماع لضجيج الآلات وراحتهم في العمل والانجاز وهم نوع خاص من البشر مواهبهم ان يكونوا رجال صناعة تماماً كما هو الحال بالنسبة لأشخاص هواياتهم الرياضة والادب عندما يتوفر لهم الجو المناسب. ورجال الصناعة متواجدين بين رجال الاعمال وبين التجار وبين موظفي القطاع العام وبين أصحاب المهن وبين الطلبة، وبالتالي لا بد من وجود مؤسسات تكتشف هذه المواهب وتزجها في هذا القطاع. ان خيار التصنيع يؤدي الى تنويع مصادر الدخل، وتحقيق درجة اعلى من الاكتفاء الذاتي، وهذا يتطلب مجهودات ضخمة ووقت طويل وموارد مالية وبشرية ضخمة لكنه ليس مستحيلاً.
ومن الناحية التنفيذية، يتطلب النقل المنظم للتقنية الصناعية عدداً من الخطوات أبرزها تحديد المجالات الصناعية التي يتمتع بها العراق بمزايا نسبية في الوقت الحاضر او المستقبل المنظور. والبحث عن الشريك الأجنبي – مالك التقنية – الذي يعتمد عليه من حيث مصداقية تعاونه لنقل التقنية. واكتساب التقنية محلياً ثم المحافظة عليها واخيراً تطويرها ذاتياً.
وليس من المتصور قيام مصنع ينتج جميع القطع اللازمة للسلعة النهائية المنتجة. كذلك ليس من المتصور انشاء مصنع يقوم بمراحل عديدة على المادة الواحدة. ومن هنا تأتي أهمية عملية تنظيم التكامل الرأسي والافقي في القطاع الصناعي – ويتحقق هذا التنظيم عن طريق المسح الدوري الدقيق للإمكانيات الصناعية في البلاد واستنباط ما يسمى بجداول التداخل الممكنة بين الصناعة ومحاولة توقيتها.

قيم الموضوع
(0 أصوات)
عمر سعد سلمان

كاتب عراقي

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه