ضيف مزعج

بقلم الحبيب الأسود تموز/يوليو 23, 2023 190

ضيف مزعج


لم يعد الصيف ضيفا كما كان، وحتى وإن أصر البعض ممن يمتلكون أدوات ترويض الاحتباس الحراري على أنه صيف.

ضيف لا يقبل المغادرة بسهولة
اعتدنا على ترديد مقولة “الصيف ضيف” وهي جزء من مثل شعبي تونسي فحواه أن “الشتاء شدة والربيع منام والصيف ضيف والخريف العام”، وقد كان هذا المثل صادقا في تحديد مميزات الفصول عندما كانت تعاش على طبيعتها، لكن الوضع تغير اليوم، والصيف لم يعد ضيفا خفيف الظل كما كان قبل سنوات، وإنما أصبح فصل تعب وإرهاق وحرارة لا تطاق ومصاريف وتكاليف باهظة وأسئلة حارقة عن مستقبل الأجيال القادمة في ظل اتساع دائرة الاحتباس الحراري نتيجة التطرف المناخي الذي يعصف بالعالم من حولنا والذي يبدو أن منطقتنا من أكثر المناطق تأثرا به ووقوعا تحت سطوته.

عندما نكون في المدينة سنعتقد أننا فقدنا القدرة على تمييز الفصول بسبب سرعة إيقاع الحياة وكثرة المشاغل فيها وربما بسبب هيمنة الحديد والإسمنت المسلح وضجيج السيارات والتلوث، ولكن عندما نتجه إلى الأرياف سنجد أنفسنا أمام ذات المعضلة، فالوضع لم يعد أفضل في علاقته بالطبيعة، والفصول باتت متداخلة بشكل غريب، حيث قد يتحول الشتاء إلى خريف، والربيع إلى شتاء أو إلى خريف، فيما تتمدد حرارة الصيف إلى بقية الفصول وبشكل يضع صحة البشر في خطر ويهدد النبات والأشجار والحيوانات ويفرض رعاية استثنائية لها لكي تستمر في البقاء.

بحسب الأمم المتحدة، يعتقد الكثير من الناس أن تغير المناخ يعني أساسا ارتفاع درجات الحرارة، لكن ارتفاع درجة الحرارة ليس سوى بداية القصة، نظرا إلى أن الأرض عبارة عن نظام، حيث كل شيء متصل، فإن التغييرات في منطقة واحدة يمكن أن تؤثر على التغييرات في جميع المناطق الأخرى.

Thumbnail
وتشمل عواقب تغير المناخ الآن، من بين أمور أخرى، الجفاف الشديد، وندرة المياه، والحرائق الشديدة، وارتفاع مستويات سطح البحر، والفيضانات، وذوبان الجليد القطبي، والعواصف الكارثية، وتدهور التنوع البيولوجي.

ويمكن أن يؤثر تغير المناخ على صحتنا وقدرتنا على زراعة الغذاء والسكن والسلامة والعمل، الثابت أن المحتاجين والبسطاء من الناس هم من يدفعون أكثر من غيرهم ثمن التغير المناخي، كما أن الدول الضعيفة والفقيرة هي التي تواجه مخاطر الانحباس الحراري وتعاني من نتائجه الكارثية على شروط الحياة على أراضيها، وفوق ذلك فإن جميع المؤشرات تدل على أن الحرارة تمضي نحو المزيد من الارتفاع خلال السنوات القادمة وبصورة قد تتجاوز بكثير ما كان توقعه العلماء، فيما لا تبدي الدول الكبرى أي اهتمام حقيقي بالموضوع، ولا يمكن الحديث عن إجراءات جدية للتخلص من المسببات الأصلية لارتفاع مستويات حرارة الأرض، وإنما هي قمم واجتماعات متتالية تنتهي ببيانات وقرارات مغطاة بتبادل الاتهامات وتنوع الخلافات بين القوى الممسكة بمقاليد الكوكب.

لم يعد الصيف ضيفا كما كان، وحتى وإن أصر البعض ممن يمتلكون أدوات ترويض الاحتباس الحراري على أنه صيف، فإنه ضيف ثقيل ومزعج ولا يقبل المغادرة بسهولة، وقد يستنفد كل مؤونة البيت ومدخرات الجيب، لاسيما مع ارتفاع أسعار الماء والكهرباء ووسائل التبريد والترطيب والترفيه وكل ما يمكن أن يساعد على تحمّل درجات الحرارة المرتفعة هذا الأيام والأيام التي تليها.

الحبيب الأسود

كاتب تونسي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه