دوافع الدور الروسي في أفريقيا؟

بقلم: أستاذ الفكر السياسي
الدكتور: أنمار نزار الدروبي

كان لانهيار الاتحاد السوفيتي آثارا انعكست عل صعيد السياسة الخارجية الروسية واستراتيجيتها وسماتها، كما انعكست على واقع السياسة الدولية عموما والتي نجم عنها تفرد السياسة الدولية بقطب واحد هو الولايات المتحدة الأمريكية. هذه الآثار في ظل الأزمات الداخلية الاقتصادية منها والسياسة التي عصفت بالاتحاد السوفيتي وورثتها روسيا عنه جعل عملية صياغة الاستراتيجية الروسية في إطارها الخارجي ذات تناقضات ما بين الواقع الجديد والواقع السابق، وما بين الإمكانيات الجديدة ومتطلبات عملية التنمية الداخلية والإصلاحات المناطة بأي قيادة سياسة روسية. ولروسيا أهمية مضاعفة، بالنظر لما تمثله من ميراث الإمبراطورية السوفيتية التي ظلت تحتل مكانة القطب العالمي، في ظل عالم ثنائية القطبية لأكثر من نصف قرن. وعلى الرغم من حقيقة انتهاء صراع القطبية، وظهور عالم تعاوني جديد مختلف ومغاير، لا تزال المواقف الروسية في مجلس الأمن تغازل البعض. حيث تبنت روسيا في السنوات الأخيرة مواقف في سياستها الخارجية أحيت التطلعات بعودة التوازن إلى قمة العالم. لاسيما أن روسيا بمنظورها الجديد تبحث عن توازن في إطار نظام دولي متوازن في تعدد القوى. ويبدو أن التطورات المتسارعة في العالم تعيد رسم خرائط العلاقات بين روسيا ودول قارة أفريقيا، فلم يكن التاريخ أبدا مجرد مراحل وطويت صفحاتها، لكنه يعود بقوة ليعيد نفسه ليقدر لدولة مثل روسيا أن تعود لممارسة دورها كإحدى القوى الدولية ذات الثقل في النظام الدولي، حيث باتت أحد العناصر الأساسية المشكلة لهذا النظام، فإنها كسبت استعادة قوية لمعظم الدور المفقود في ذلك النظام الدولي. فعلى سبيل المثال لا الحصر وقعت منطقة الشرق الأوسط بما فيها من تطورات في قلب هذا الدور.

عودة روسيا إلى أفريقيا:

لم تكن موسكو لبعض الوقت على استعداد للانخراط في الصراع في أفريقيا، لاسيما أن حليفتها كوبا قد انخرطت بالفعل. لقد وضع جوزيف ستالين أفريقيا في أسفل قائمة أولوياته ولم يشجع على القيام بعلاقات أو دراسات حول هذه القارة، لكن الحال قد تغير مع وصول الزعيم السوفييتي نيكيتا خروتشوف إلى الحكم إذ وضع الكرملين سياسة كبرى طويلة الأمد للتعامل مع أفريقيا تتضمن عدد من الأهداف أبرزها: تقويض النفوذ الغربي ونفوذ الناتو وخاصة فيما يتعلق بالعلاقات الرأسمالية مع الدول الإمبريالية الغربية، ومع الصين الشيوعية أيضا من إقامة حضورها المنافس في أفريقيا. وعلى الرغم من تحول بعض الدول الإفريقية إلى حلفاء للاتحاد السوفييتي لفترة من الزمن، مثل (أنغولا وأثيوبيا)، فإن هذه العلاقات قد أثبتت أنها مؤقتة فبعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991 تلاشى النفوذ الروسي هناك بشكل كبير.

الجدير بالذكر أنه لا يمكن فهم الدور الروسي دون فهم حركة التفاعلات التي تنسجها السياسة الخارجية الروسية في أفريقيا، وذلك من خلال تشريح تفاعلاتها مع الدول وكيف ستكون خريطة تحالفاتها في القارة الأفريقية. وفي الحديث عن المصالح والسياسة الروسية في أفريقيا تبرز اللائحة بين الاقتصاد والسياسة والاستراتيجيا. وعلى الرغم من أن السياسة الروسية قد تباينت تجاه العديد من القضايا الدولية، لكن أيا كانت المواقف الروسية فإن معظمها مناهض للسياسة الأمريكية. فمنذ زمن كانت روسيا مشغولة ببناء تحالفت مع دولية واسعة، ويمكن القول إن الكرملين والرئيس بوتين تحديدا قد وجد أن الفرصة سانحة، وبات أكثر حرصا على إعادة الوجود الروسي في أفريقيا وأبرزها باختصار على النحو التالي:

أولا. إن عودت العلاقات الروسية مع دول إفريقيا ابتدأت من عام 2000 وهي السنة التي تولى فيها بوتين قيادة روسيا، ففي عام 2001 كانت خطة بوتين هي استقبال رؤساء كل من نيجيريا، غينيا، الغابون، الجزائر. وفي عام 2002 توطدت العلاقات الروسية مع إفريقيا الشمالية، المغرب وتونس. بيد أن نقطة الانعطاف التاريخي في العلاقات الروسية الإفريقية كانت سنة 2006 عندما قام بوتين بزيارة كل من جنوب إفريقيا والمغرب. (هشام صميض، المجلة البحثية، مجلد6، العدد 7/8، 2017).

ثانيا. إنشاء سياسة خارجية قائمة على حضورا دائما للروس في القارة الإفريقية متضمنا عدة موانئ على المحيط الهندي. وهذا يتعلق بالاستراتيجية الروسية الجديدة التي حددها الكرملين، والتي سيعتمدها الأسطول البحري الروسي في مواجهة النفوذ المتزايد لحلف شمال الأطلسي (الناتو) في المناطق المحيطة بروسيا. وترتكز هذه الاستراتيجية على تعزيز التعاون الاستراتيجي مع كل من الصين في مياه المحيط الهادئ، والهند في مياه المحيط الهندي.

ثالثا. ان يكون للروس لهم صوتا مسموعا فيما يخص الشؤون الأفريقية، وتزويد حكومات البلدان الأفريقية بالمساعدات الاقتصادية والعسكرية.

رابعا: القمة الروسية الأفريقية: النسخة الأولى:

بتاريخ 23 تشرين الأول/ أكتوبر 2019 عقدت القمة الروسية الأفريقية بنسختها الأولى في مدينة سوتشي حضرها أكثر من 40 رئيس دولة إفريقية.

خامسا: قمة أفريقيا-روسيا: النسخة الثانية:
انطلقت النسخة الثانية من القمة الأفريقية الروسية في مدينة سان بطرسبورج الروسية، وانعقدت على مدار يومين 27 و28 من يوليو 2023، بمشاركة 49 بلدا أفريقيا و17 زعيما.

ووفقا لما سبق، تسعى موسكو لزيادة حجم التبادل التجاري مع القارة السمراء، وقد أكد بوتين من جديد على الحاجة إلى زيادة حجم التجارة بين روسيا وأفريقيا، حيث قال في القمة الإفريقية الأولى " لقد تضاعفت، في السنوات الخمس الماضية، التجارة بين روسيا والدول الإفريقية، لتتجاوز 20 مليار دولار. وهذا ليس كافيا أيها السيدات والسادة. فتجارتنا مع مصر وحدها تبلغ 7.7 مليار دولار، أي ما يقرب 40% من مجمل التجارة مع إفريقيا. لكن يوجد في أفريقيا العديد من الشركاء الواعدين، وبإمكانات نمو كبيرة، لذلك فهذا الحجم من التبادل التجاري لا يكفي".

سادسا: بحسب بعض المصادر الإعلامية أعلنت موسكو عن نيتها وعزيمتها في تعزيز الشراكة العسكرية مع العديد من دول القارة السمراء بما في ذلك الكاميرون وإثيوبيا وجنوب أفريقيا وحتى مالي التي استقدمت إلى أراضيها عناصر مجموع (فاغنر) بذريعة مساعدتها على نشر الأمن ومحاربة الإرهاب.

قيم الموضوع
(0 أصوات)
انمار نزار الدروبي

كاتب وباحث سياسي عراقي مقيم في بروكسل

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه