مصر في قلب الإمارات

بقلم محمد أبوالفضل آب/أغسطس 04, 2023 127

مصر في قلب الإمارات


الاعتراف بالخصوصية في بعض القضايا يؤدي إلى إزالة الكثير من الشوائب التي يمكن أن تتراكم عندما تغيب الصراحة عن الحوارات الثنائية ما يفسر جانبا في الصورة أو ما يمكن اعتباره مجازا تباعدا.
أوصاهم ببلدهم خيرا
لن ينسى المصريون ما تردد منذ سنوات طويلة بشأن وصية الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الإمارات الراحل لأبنائه، ويتذكرون دوما أنه أوصاهم ببلدهم خيرا كلما بدا أن هناك خلافا مكتوما، وسوف تظل مصر في قلب الإمارات، لأن الأواصر قوية.

يدرك المراقب للعلاقات بين الجانبين وجود تباين في تفاصيل بعض القضايا مثل الكثير من الدول، فقد خرج من قاموس العلاقات الدولية التطابق في الرؤى، وهذا لا يعني أن ثمة فتورا، فكل الدول الحليفة تتقارب وتتباعد بلا صدام يؤدي إلى قطيعة.

يأتي الشعور بعدم الانسجام من تقديرات متفاوتة رأت أن مستوى التعاون والتنسيق الإقليمي لم يعد مناسبا لواقع العلاقات المتطورة التي وصل إليها البلدان وكثافة القواسم المشتركة بينهما، والتي بلغت أوجها خلال السنوات العشر الماضية.

لم يفكر من شعروا بذلك مليّا في الحسابات الجديدة التي تحكم توجهات كل طرف، وأدت إلى تنامي الإحساس الزائف بالتباعد، والذي بدأ يحمل تأويلات غير دقيقة، مردها عدم حديث أيّ من الدولتين بوضوح عن أيّ منغصات.

لا تزال وديعة الشيخ زايد، عليه رحمة الله، حيال مصر يحافظ عليها رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد، ولا يستطيع أحد الزعم أنه خالفها يوما ما

ربما لأنها من نسج الخيال أو لا تستحق تفسيرا لمنع النفخ فيها إعلاميا، وقطع الطريق على من يريدون تعكير الصفو المستمر في العلاقات بين البلدين، لأن عملية تطويقها سهلة، ومن الطبيعي أن تمر بعض السحب المؤقتة بين الدول الصديقة والحليفة.

ليس المقصود القطع بأن العلاقات الآن “سمن على عسل”، كما يقول المصريون في أمثالهم الشعبية، فإذا كان هناك خلاف في بعض الملفات فهو ناجم عن حجم الرهانات والتطلعات العالية لكل جانب على الآخر، وطبيعة التحولات التي تمر بها الدول وتفرض على قادتها التعاطي معها وفقا لرؤى جديدة تتناسب مع مقتضياتها.

اعتادت أبوظبي أن تكون سخية اقتصاديا مع القاهرة منذ فترة طويلة عبر تقديم منح ومساعدات ومعونات مصحوبة بتسهيلات، وجاء التغير في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة إلى مصر، حيث تمر بظروف اقتصادية قاسية وكانت تنتظر إنقاذا عاجلا من أبوظبي تنفيذا لوصية الراحل الشيخ زايد، وهو ما قدمته قيادتها في شكل استثمارات، كطريق رسمته الإمارات وغالبية دول الخليج في سياستها الخارجية.

ولذلك فالتصورات التي تتبناها أبوظبي لا ترمي للضغط على القاهرة أو أن عدم مساعدتها ناجم عن مناكفتها، لكنه استجابة طبيعية لتحولات عامة بدليل أن حجم الاستثمارات الإماراتية في مصر لم يتراجع، وهناك إصرار على زيادته وفقا لما يتواءم مع السياسة الجديدة التي فهمتها تركيا وتلقفتها فحصدت مكاسب كبيرة مؤخرا.

تبدو المقارنة التي يعقدها البعض بين مصر وتركيا في غير محلها والتلويح بتفضيل الثانية على الأولى، فما يحكم المعادلة هو المصالح الاقتصادية وليس العواطف الإنسانية، فوصية الشيخ زايد لم تذهب سدى أو تراجع عنها أبناؤه، فلا يزال المصريون من أكثر الشعوب شغفا لدى الإماراتيين، وهو ما يمكن تلمّس معالمه من خلال المعاملات اليومية.

وإذا كان غالبية الإماراتيين يُحسنون معاملة الآخر، عربيا كان أم أعجميا، فمع المصريين يحسنون أكثر لأن بلدهم لم يبرح قلب قيادتهم، وأي تبدل في الأولويات أو السياسات لا يعني تغيرا في القواعد التي تستند عليها، ومن بينها الحفاظ على علاقات إستراتيجية كركيزة أساسية في المنطقة، وهو ما تؤمن به القيادة المصرية التي تبدي حرصا دائما على تجنب كل ما يلوث العلاقات مع أبوظبي.

وفّرت الحرب الجارية في السودان ذخيرة حية لدعم تخمينات من ذهبوا إلى الجزم بوجود قلق بين مصر والإمارات، واستندوا إلى تكهنات أشارت إلى وقوف كل دولة مع طرف في الحرب، وبصرف النظر عن حقيقة ذلك فلن تصل العلاقة إلى حد التوتر، وأيّ تباين ليس الغرض منه إحداث ضرر بالآخر في السودان أو غيره، لكنها اجتهادات الهدف منها تحقيق المصالح بالصورة التي تراها كل دولة مفيدة لها.

يعيد ما يتم الهمس به في السودان ما حدث في ليبيا، إذ تردد أن هناك تباينا بين القاهرة وأبوظبي في إدارة الأزمة واللاعبين فيها، وهو أمر طبيعي، لكن السؤال إلى أيّ درجة ينعكس ذلك سلبا على مصالح الدولة الأخرى؟

هذا هو جوهر القضية والبعد المفصلي لفهم التأويلات، فلا مصر تريد إيذاء الإمارات أو العكس، والمسافة التي تبدو ظاهرة للبعض هي في آليات التعامل مع الأزمة بسبب وجود مساحة غامضة يحتفظ بها كل طرف لنفسه ولا يريد أن يطلع عليها غيره.

تصورات التي تتبناها أبوظبي لا ترمي للضغط على القاهرة أو أن عدم مساعدتها ناجم عن مناكفتها، لكنه استجابة طبيعية لتحولات عامة بدليل أن حجم الاستثمارات الإماراتية في مصر لم يتراجع

يؤدي الاعتراف بالخصوصية في بعض القضايا إلى إزالة الكثير من الشوائب التي يمكن أن تتراكم عندما تغيب الصراحة عن الحوارات الثنائية، ما يفسر جانبا في الصورة أو ما يمكن اعتباره مجازا تباعدا، والذي من الضروري البحث عن وسيلة لتجاوزه، لأن الشفافية المطلقة بين الدول أصبحت من المستحيلات.

يقود القبول بهذا الهامش إلى تذويب أيّ هوة حقيقية أو مفتعلة بين مصر والإمارات، ويكفي لفهم الكثير من التحركات المشكوك فيها، لأن فكرة الضرر المتبادل منعدمة في قاموس القيادة السياسية بالبلدين، أو يشوبها التباس أحيانا، فدفاع كل دولة عن مصالحها بالطريقة التي تراها مناسبة بعيد عن تسجيل النقاط في مرمى الدولة الثانية.

قدمت مصر والإمارات والسعودية والبحرين نموذجا جيدا للتحالف إبان اندلاع الأزمة مع قطر، وكانت الصيغة التي استندت عليها الرباعية العربية كفيلة بتخطي العراقيل وعدم إساءة الفهم للنوايا، وأفضى انهيار التحالف بحكم تطورات إقليمية عديدة وانتهاء القطيعة مع قطر والمصالحة معها وما تلا ذلك من تطورات متسارعة، إلى خلق فجوة بين الرباعي وخسارة صيغة كان يمكن أن تصبح نواة للمزيد من التعاون المشترك.

انتهت سنوات القطيعة مع قطر وسقط معها المحور الرئيسي الذي قام عليه الرباعي، لأن التحالفات تصمد أكثر عندما يكون هناك خصم واضح ومحدد، ومع التباين في التعامل مع بعض القضايا تصاعد الحديث عن خلاف بين القاهرة وأبوظبي، مرتكزا على عنصرين، أحدهما تراجع فكرة المساعدات الاقتصادية دون الوقوف عند الأسباب، والآخر تطور العلاقات بين الإمارات وتركيا والإيحاء خطأ أن الثانية نتيجة للأولى، وهو ما ضاعف من رواج التخمينات.

لا تزال وديعة الشيخ زايد، عليه رحمة الله، حيال مصر يحافظ عليها رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد، ولا يستطيع أحد الزعم أنه خالفها يوما ما، لأنه يدرك أن المصريين لن يبارحوا قلوب شعبه ولو سعى حثيثا الخصوم إلى إحداث قطيعة بينهما، وكل خلاف في تفاصيل بعض التوجهات الإقليمية لن يؤدي إلى التأثير على الثوابت الأساسية التي تحرص القيادة الرشيدة في البلدين على عدم تجاوزها.

محمد أبوالفضل

كاتب مصري

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه