اضرار الشائعات على سوق الأسهم / الحلقة الثانية

عمر سعد سلمان


يتفق الاقتصاديون على ان التلاعب في الأسواق المالية يقوض كفاءة أسعار السوق لأنه يستدرج المتداولين لتوفير السيولة وتنفيذ الصفقات عند أسعار تبتعد بدرجة او بأخرى عن قيم الأوراق المالية. ويساهم التلاعب في زيادة احتمال غبن جمهور المستثمرين في السوق مما يضعف ثقة المتداولين في نزاهة السوق، كما يقلل من جاذبية السوق للمستثمرين الجادين والمطلعين، فينصرف أكثر المتداولين عن السوق وتنخفض سيولته. ويعيد توزيع الثروة من جمهور المستثمرين الى قلة من المتلاعبين.
تحدث أكثر حالات التلاعب في الأسهم الصغيرة بسبب سهولة السيطرة عليها، وضعف مستوى الإفصاح فيها، وأكثر حالات التلاعب تتضمن استراتيجيات لرفع الأسعار بدلاً من تخفيضها بسبب القيود على بيع أسهم الشركات بيعاً مسبقاً. كما تقوم على استخدام العديد من المحافظ بأسماء مختلفة ولكن يديرها شخص او مجموعة من المتداولين. وممكن ان يتم التلاعب بسهم من الأسهم من 20 يوم لغاية 90 يوم، وقد وجدت العديد من الدراسات الميدانية في عدة بورصات حول العالم ان اغلب المتورطين في التلاعب هم مضاربين تتراوح ملكيتهم 5-30% من أسهم الشركة التي يتم التلاعب فيها. ويهتم المتلاعبون المحترفون بأبعاد السيولة التي تعتمد على عدة جوانب أبرزها اتساع الفرق بين أفضل عرض وأفضل طلب، والعمق الذي يشير الى عدد الأسهم المعروضة والمطلوبة، الى جانب الفورية التي تعني سرعة إتمام الصفقة، واخيراً فالمرونة نقطة مهمة والتي تعني رجوع الأسعار الى وضعها السابق.
ان إثر التلاعب سلبي على كفاءة السوق ونزاهته وعدالته التي تعتبر شرط أساسي لقيام السوق بالدور المتوقع له ي مساندة الاقتصاد الحقيقي. وهناك تحدي حقيقي يتمثل في تقديم المحليين الماليين دراسات تخص الشركات الكبيرة فقط مع اهمال الشركات الصغيرة التي يسهل التلاعب في أسهمها، وبالتالي فان الشركات الصغيرة سوف تستمر في المعاناة من المضاربة المتطفلة والمقررة ما لم يتم كبحها بوسائل أخرى.

وقد يبدو من طبيعة السوق المالية أنَّه لا يمكن التأثير التلاعبي فيها إلاَّ من خلال التداول؛ فمثلاً يقوم المتلاعب بالشراء بسعرٍ مرتفعٍ حتى تَصعَدَ الأسعار، أو البيع بسعرٍ منخفضٍ حتى تَهبِطَ الأسعار. لكن تلك الممارسة تتضمَّن مخاطراً كبيرةً تجاه المتلاعب، فهو يَدخُلُ شخصياً أو من خلال أشخاصٍ مُسخَّرينَ منه إلى السوق، ويُجرِي عمليات تداولٍ يتمُّ تنفيذها على بيانات السوق بيعاً أو شراءً.
لذا، فإنَّ الطريق الأسهل للمتلاعبين والأقلُّ مخاطرةً هو نشر الشائعات والبيانات الخاطئة أو المضللة تجاه بعض الأسهم بغرض الإيحاء باحتمال ارتفاع أو انخفاض أسعارها؛ أي تقديم معلوماتٍ للجمهور بهدفٍ واحدٍ فقط، وهو زرع الوهم في نفسية المستثمرين، ثم قيادتهم إلى تنفيذ عمليات تداولٍ على طرف البيع أو الشراء وبأسعارٍ مرتفعةٍ أو مُنخَفِضَةٍ وفقاً لمصلحة المتلاعبين.
فإذا كان المتلاعب يمتلك عدداً كبيراً من أسهم شركة معينة، وقد عرضها للبيع لوقت طويل دون أن تَجِدَ مَن يشتريها؛ فهنا ينشر المتلاعب أخباراً إيجابيةً كاذبةً عن الشركة، أو يُعلِنُ عن احتمالٍ مضلِّلٍ لارتفاعٍ كبيرٍ قريبٍ في سعر سهمها، وهكذا يندفع المستثمرين لشرائِهَا بسبب وقوعهم في الوهم الذي رسمه المتلاعب، لكن سرعان ما ينخَفِضُ سعر السهم بعد أن يبيع المتلاعب أسهُمِهِ، وتنتهي عملية التلاعب بغاية رفع الأسعار.
وفي المقابل، فقد يكون المتلاعب من الراغبين بالاستحواذ على شركةٍ معينةٍ، دون أن يتسنَّى له ذلك بسبب ارتفاع سعر سهمها في السوق المالية؛ ولهذا يقوم المتلاعب بنشر شائعاتٍ مُضلِّلةٍ عن احتمال حدوث هبوطٍ جوهريٍّ قريبٍ في سعر السهم، كلُّ ذلك بغرض إيهام المستثمرين بوجود اتجاه هبوطي للسعر، فيندفع المستثمرين لبيع السهم بأيِّ سعرٍ، وشيئاً فشيئاً ينخفض سعر السهم، وتُصبِحُ عملية الاستحواذ على المتلاعب ممكنةً وأقلَّ سعراً.
لكن هذه ممارسة التلاعب هذه ُتعتَبَر جريمةً جزائيةً وفق نظام السوق المالية، كما أنَّه يحقُّ لكلِّ مستثمر انخدع بشائعات المتلاعب، الأمر الذي جعله يشتري بسعرٍ مبالغٍ فيه أو يبيعُ بأقلَّ من سعر السوق، أن يُقيمَ مسؤولية المتلاعب المدنية عن الخسائر التي تسبَّبت بها عملية التلاعب، لكن المشكلة الأساسية في مواجهة التسعير التلاعبي بالشائعات هي في اكتشاف هذه الممارسة أصلاً؛ فالمتلاعب لا يَظهَرُ في السوق، بل يبقى بعيداً خلال قيامه بتضليل المستثمرين وإيهامهم.
في الوقت الذي تبدو فيه مهمَّة هيئة السوق المالية شديدة الاتساع والتعقيد فيما يخصُّ ملاحقة الشائعات، خاصَّةً بسبب تأثير مواقع التواصل الاجتماعي على نفسية المستثمرين.
بناءً عليه، فإنَّ أفضل ما تَقُومُ به الهيئة هو دراسة أسعار السوق، والانتباه إلى أيِّ تغيُّرٍ جوهري في سعر أيِّ سهمٍ، ثم القيام بدراسةٍ عن وسائل الإعلام ومواقع الإنترنت التي تناولت هذا السهم بالتحليل والنصائح؛ بغرض التأكُّد من دقَّة البيانات والمعلومات التي تنشرها، والغاية من النشر، وأسلوبه.
فإذا تبيَّن للهيئة وجود معلوماتٍ مُضلِّلةٍ عن السهم، أو استخدام بياناتٍ ماليةٍ مزورةٍ عن هذا السهم بأسلوبٍ تحريضيٍّ للتداول في اتجاهٍ مُعيَّنٍ؛ فهنا يكون على الهيئة فتح تحقيقٍ بالواقعة، وإحالة المتَّهمين إلى لجان الفصل بالمنازعات عن طريق النيابة العامة، ثم تصدر العقوبة الجزائية المناسبة بحق المتلاعبين ويحصل المستثمرون الذين وقعوا ضحية التلاعب على تعويضٍ ماليٍّ يساوي ما خسروه بسبب الشراء أو البيع بسعر تمَّ التلاعب فيه.
والسبب في صرامة النظام في هذا الإطار، هو أنَّ التلاعب بالسوق المالية لا يَضُرُّ بالمصالح الخاصة للمستثمرين وحسب، بل إنَّه يَضُرُّ في توازن السوق وشفافيتها وسمعتها ومستوى حوكمتها، أي أنَّ التلاعب هو جريمةٌ ماليةٌ فيها اعتداءٌ على المصلحة العامة؛ وهذا السبب من وراء اعتبار التلاعب بالأسعار جريمةً، وليس فقط خطأً موجباً للتعويض.

قيم الموضوع
(0 أصوات)
عمر سعد سلمان

كاتب عراقي

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه