الجنوب الذي يراوغ الحق فيراوغ نفسه

بقلم علي الصراف آب/أغسطس 10, 2023 174

الجنوب الذي يراوغ الحق فيراوغ نفسه


"الجنوب العالمي" أظهر أنه جبان وأنه لا قيمة حقيقية لمواقفه وهو ينظر إلى المصالح الضيقة من قبيل كم شوال قمح سوف نحصل عليها مجانا على حساب القيم والمبادئ والأعراف الدولية.
المؤتمر أتاح تفهما وقبولا أوسع لخطة زيلينسكي
الجهد المخلص الذي بذلته السعودية من أجل التوصل إلى توافق في الآراء حول سبل تحقيق السلام في أوكرانيا، كان هو المكسب الوحيد من مؤتمر جدة. أما السلام نفسه، فإنه لم يجن شيئا في الواقع، لأن مراوغات دول الجنوب أحبطته، بأن أدارت ظهرها لقول الحق.
المسؤولون الأوكرانيون اعتبروا أن المؤتمر أتاح تفهما وقبولا أوسع لخطة الرئيس فولوديمير زيلينسكي بين الدول الأربعين التي شاركت في المؤتمر. وقالت الصين، وهي أقرب حلفاء روسيا، “إن المحادثات عززت التوافق الدولي على نحو أكبر بشأن التسوية السياسية للأزمة”. أما روسيا نفسها، فقد وصفت المؤتمر بأنه “محاولة محكوم عليها بالفشل لحشد الجنوب العالمي خلف كييف”. وهو ما يشير إلى أن موسكو نظرت إلى المؤتمر من زاوية ما إذا كان “الجنوب العالمي” يقف معها أم مع كييف.
في الواقع، فقد أظهر “الجنوب العالمي” أنه جبان. وأنه لا قيمة حقيقية لمواقفه. وهو ينظر إلى المصالح الضيقة، من قبيل كم شوال قمح سوف نحصل عليها مجانا، على حساب القيم والمبادئ والأعراف الدولية. وذلك حتى وإن كان هذا الجنوب نفسه يعاني من تجاوزات “الشمال العالمي” وتعدياته ومعاييره المزدوجة بشأن تلك القيم.
الصين، التي لا تعرف لماذا تعتبر نفسها جزءا من ذاك “الجنوب”، لم تضع في اعتباراتها إلا صياغات لفظية مراوغة بشأن احترام ميثاق الأمم المتحدة ومبدأ وحدة وسيادة الدول. ولكنها، مثل باقي دول الجنوب، لم تدعُ صراحة إلى انسحاب القوات الروسية من الأراضي الأوكرانية، بموجب وثيقة الاستقلال التي وقّعتها موسكو في العام 1991، وأقرت حدود أوكرانيا المعترف بها دوليا بما يشمل شبه جزيرة القرم.
◙ الكثير من قادة "الجنوب العالمي"، "على قد الحال"، فكريا وسياسيا وإستراتيجيا. فلا تحسدهم على ما هم فيه من البلاء، وعلى الأقدار التي جعلتهم "براغماتيين"، يراوغون الحق فيراوغهم
الافتراض السائد بين قادة “الجنوب العالمي” أنهم صاروا “براغماتيين”، على اعتبار أن لديهم مصالح مع روسيا لا يريدون الإضرار بها، كما أن لديهم مصالح مع الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين لا يريدون الإضرار بها أيضا. إلا أنهم يضرّون بالحق، ضررهم بالمبادئ والقيم. ويخزون أنفسهم في النهاية عندما يجعلون من علاقاتهم الدولية قائمة على “كم شوال قمح” نأخذ من هنا أو من هناك.
الأخطر من ذلك، هو أن هذه المقاربة الانتهازية تبرر، موضوعيا، كل المقاربات الانتهازية التي تتعرض لها بلدانهم. حتى أنك لا تستطيع، حيال هذه المقاربة، أن تعاتب الذين يدعمون إسرائيل، على سبيل المثال، وهي تحتل أراضي عربية وفلسطينية.
انتهازيتهم بالذات، تقول الشيء نفسه الذي تقوله “المعايير الغربية المزدوجة” حيال الاحتلالات الإسرائيلية على امتداد المسافة من الجولان إلى القدس. فلا عتب. وما من داع للسجال. فبما أنك تراوغ مع الحق، فإنك تُرخص للآخرين أن يراوغوه معك.
لا حاجة إلى أن تقول شيئا لسوريا التي أعلنت تأييدها، دونما خجل ولا وجل، لضم المقاطعات الأوكرانية الأربع المحتلة إلى روسيا. ولكنك تستطيع، على سبيل المقارنة، أن تستنتج القول المناسب من موقفها ضم إسرائيل للجولان. ويمكنك أن تذهب إلى حيثما تشاء في ذلك القول، من دون أن تجد نفسك إلا وقد قلت الصواب. والخزي هو أقل ما فيه.
بطريقة أو أخرى، يمارس قادة “الجنوب العالمي” حيال الحق والقيم ومبادئ الشرعية الدولية في أوكرانيا، ما تمارسه “سوريا الأسد” حيال أراضيها بالذات.
لديهم “شوية” مصالح مع موسكو، فلا يجرؤون على دعوتها إلى الانسحاب من الأراضي الأوكرانية المحتلة، بوصفه الخطوة الأولى، وغير المشروطة، للسلام. وهم يغطون المراوغة بميثاق الأمم المتحدة، لكي يراوغوا الحق الصريح.
تستطيع أن تتفهم لماذا تفعل الصين ذلك. مصالحها في جنوب وشرق آسيا، بما فيها الدول التي انفصلت عن الاتحاد السوفياتي، كبيرة للغاية. ليست أكبر من الحق. ولكن بمعايير المصالح الإستراتيجية لثاني أكبر اقتصاد في العالم، فإنها كبيرة للغاية. الأمر الذي لا ينطبق على باقي “الجنوب العالمي”. ولو أن هذا الجنوب قال قول الحق، لما بقيت الصين تراوغ على انفراد.
هذا الجنوب، عندما يعجز عن التمسك بالقيم والمواثيق الدولية، أو عندما لا يتخذ الموقف الأخلاقي والإنساني الصحيح، فإنه لا يخزي نفسه فقط. بل إنه يهزم نفسه حيال تعديات وضغوط وأعمال الابتزاز التي تمارسها الدول العظمى. وهو يهزم نفسه، ليس بالظهور بمظهر المتسول الذي يسعى لكسب كم شوال قمح من هنا أو من هناك، وإنما بالعجز عن أن يتحول إلى قوة دولية قادرة على أن تفرض شروطها ومعاييرها أمام “الكبار”.
الصغار مع أنفسهم، يظلون صغارا، على أيّ حال. وهذا مناسب لـ”الكبار”. وهو مناسب لتعدياتهم، عندما تغزو موسكو أوكرانيا وتضم جزءا من أراضيها، وعندما تدعم الولايات المتحدة إسرائيل وتوفر لها الحماية عمّا تضمه من أراضي الغير، على حد سواء.
◙ الصين، التي لا تعرف لماذا تعتبر نفسها جزءا من ذاك "الجنوب"، لم تضع في اعتباراتها إلا صياغات لفظية مراوغة بشأن احترام ميثاق الأمم المتحدة ومبدأ وحدة وسيادة الدول
هذا هو السبب الذي يجعل الصغار يتسوّلون باستمرار.
قول الحق، بالمناسبة، لا يشكل تهديدا للمصالح. بالعكس تماما، إنه يبنيها على أساس صحيح، ويمهد لها أفقا أوسع في الزمن.
فلو كنت صديقا حقيقيا ومخلصا لروسيا، لقلت لرئيسها: ما كان يجب أن تدخل هذه الحرب أصلا. وحيث أن الطريق الخطأ لا ينتهي إلى صواب، فانسحب. وفّر على بلادك خسائرها. ونحن معك في كل ما يبدأ ويقتفي أثر الصواب.
أحد أهم المفارقات في هذه الحرب، هي أنها سائرة إلى نهاية تتوافق مع الحق. أوكرانيا سوف تستعيد كل أراضيها المحتلة.
السبب لا يتصل بأوكرانيا نفسها. إنه يتصل بوجود القوى الغربية العظمى نفسه. هذه القوى، أقوى عسكريا واقتصاديا من روسيا والصين جمعا. وهي عندما تدافع عن أوكرانيا، فإنما تدافع عن نفسها.
وقوفها مع الحق، مجرد مصادفة صنعتها الحماقة في موسكو، وذلك عندما حولت الحرب من نزاع إقليمي بينها وبين كييف، إلى حرب ضد “النظام الدولي”.
هذه الصدفة، كان من الممكن، أن تُستثمر. تضرب بها عصفورين بحجر: أن تقف مع الحق. وأن تقف مع القوة التي سوف تكسبه في النهاية.
سوى أن الكثير من قادة “الجنوب العالمي”، “على قد الحال”، فكريا وسياسيا وإستراتيجيا. فلا تحسدهم على ما هم فيه من البلاء، وعلى الأقدار التي جعلتهم “براغماتيين”، يراوغون الحق فيراوغهم.

علي الصراف
كاتب عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه