وصفة ماسبيرو: القوة الناعمة المصرية واستعادة المكانة

بقلم د. هيثم الزبيدي آب/أغسطس 14, 2023 166

وصفة ماسبيرو: القوة الناعمة المصرية واستعادة المكانة


إعادة الروح لمثل هذا الإنتاج بمعنى الورشة تفتح المجال ليس فقط للجماليات البصرية والصوتية بل لتقديم الأفكار السياسية التي سادت تلك المرحلة وكشف الإخفاقات من دون بطولات ومبالغات.

الدراما المصرية جددت نفسها بشكل كبير
أتساءل: لماذا قلة الاستزادة المصرية من استثمارها الكبير في البنية التحتية التي تمتلكها في القوة الناعمة؟ يبدو التساؤل غريبا بعض الشيء لأنه يتحدث عن بنية تحتية وقوة ناعمة. البنية التحتية شيء ملموس جدا. القوة الناعمة شيء تحس به، ولكن من الصعب وضعه في إطار ملموس.

ثمة الكثير من المقومات التي تساند فكرة القوة الناعمة المصرية. هذه مصر، بلد إقليمي مؤسس عبر آلاف السنين. كل صعود للمنطقة يرتبط بصعود مصر، منذ عهد الفراعنة. لا نبالغ إذا قلنا إن أولى علامات التراجع يتم رصدها في مصر، لنرى تأثيراتها لاحقا في الشرق الأوسط.

النفوذ الثقافي المصري ليس جديدا. الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر لم يؤمن بأنه وبلده مؤهلان للقيادة لأنه نفذ انقلابا عسكريا أطاح بالنظام الملكي. حضور مصر الثقافي سبق حضورها السياسي وكان نتاجا لعصر الليبرالية الذي ترافق مع حركة الحضارة في منطقة البحر المتوسط وتلاقحها وصولا إلى إحياء الحواضر في الإسكندرية والقاهرة لتصل إلى ما وصلت إليه.

القوة الناعمة المصرية بدأت مبكرا. العرب اعتادوا سماع صوت أم كلثوم فاستأنسوا عندما غنت لعبدالناصر. سيد درويش سبق أيا من الضباط الأحرار إلى مداعبة مشاعر العرب بالحس الوطني، خصوصا في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وصعود فكرة استقلال الأمم. مصر بثقافتها المتراكمة قدمت أقلاما لم تكن خاضعة لمقاييس الشهادات بل الموهبة، فكان عباس محمود العقاد. السينما العربية صناعة مصرية. مصر تكتب وبيروت تطبع وبغداد ودمشق تقرآن. هذا تعريف القوة الناعمة لمصر منذ بداية القرن الماضي إلى حين تحولت إلى مشروع سياسي ثم مشروع سلطة بلا روح. هذا ما أوصلها إلى الجمود الذي دفعت ثمنه غاليا.

◙ إعادة الروح لمثل هذا الإنتاج بمعنى الورشة تفتح المجال ليس فقط للجماليات البصرية والصوتية بل لتقديم الأفكار السياسية التي سادت تلك المرحلة وكشف الإخفاقات من دون بطولات ومبالغات

مصر تريد أن تعود. نقول إن البنية التحتية موجودة، لأن مصر في أشد عوامل ضعفها، كانت دائما منارة ثقافية. ولنحصر الفكرة أكثر، فإن البنية التحتية المقصودة هي البنية التحتية الثقافية والفنية، بل وفي جزء كبير منها صناعة الدراما.

بدءا نضع جانبا شيئا اسمه السينما المصرية. لا يوجد اليوم شيء اسمه سينما مصرية. هناك أفلام للعيد. بين حين وآخر نرى فيلما يمر، ولكن غير الفكاهي والبعيد عن التهريج من الإنتاج السينمائي، صار أشبه بالتجارب السينمائية ولم يعد خطا عاما.

الدراما المصرية جددت نفسها بشكل كبير. تعلمت خلال 10 أعوام كيف تنتفض على ذاتها وتستعيد، بالحد الأدنى، مساحات إنتاجية فقدتها لصالح دراما سورية أو لبنانية. لكنها فعلت أكثر من ذلك. كسرت صناعة الدراما المصرية الكثير من القوالب. اليوم الإنتاج الدرامي إنتاج ورش تفكير وليس ثلاثية كاتب – سيناريست – مخرج. اليوم هناك شيء اسمه منتج، وصاحب فكرة وكتاب وورش وحلقات دراما يكتبها أكثر من كاتب. التفصيلات الفنية والتقنية في تطور لا يتوقف. ومؤخرا بدأنا نلمس التخلص من المسلسلات الرمضانية المفصلة على قياس النجوم.

يمكن إذا أن تسخّر مصر طاقتها هذه في المزيد من الإنتاج ولأرباح أكثر. ولكن هذا يجعلها هوليوود بوليوود قاهرة وود، أي المزيد من الدخل الترفيهي، ولكن ليست مصدر إشعاع يعيد الاعتبار لقوتها الناعمة ويعيد اهتمام العرب بها. مصر ترى نفسها في فئة أخرى، لكنها لم تمسك بعد بعقدة الحبل كي تستطيع سحبه.

ثمة استسهال في تقديم الدراما السياسية. المسلسلات السياسية فيها الكثير من البطولات والأكشن. ما هي الرسالة التي نريد إيصالها؟ لا أعرف على وجه الدقة. لكن أيا كانت، استهلكتها مواسم مسلسل “الاختيار” الذي بالتأكيد يهم المصريين كثيرا. إلا أن العربي الذي ينظر إلى مصر ليستعيد اهتمامه بها وبعبقرية مكانها وناسها، لن يعطي الكثير من الوقت لمسلسل أكشن أو درامي وثائقي يتحدث عن مواجهة مع الإرهاب أو التشدد جرت قبل عقد من الزمان أو مستمرة. الناس اليوم لاهون بمصائرهم، الثري منهم والفقير.

ولكن من الحلول الواردة استعادة مصر ألقها من خلال التذكير بما صنعته في العصر الحديث. أشياء حدثت خلال قرن من الزمان، من دون الإيغال في التاريخ أو المبالغات في تمجيده.

سأطلق على الوصفة التي أقترحها مسمى “وصفة ماسبيرو”. شيء يمكن أن ينطلق من أرشيف الدراما المصرية نفسها ولا يحتاج سوى إلى تحريك وإعادة إنتاج بعقلية معاصرة وباستخدام البنية التحتية الحالية المتطورة والمبدعة.

سأضرب مثلا. أرشيف ماسبيرو يبث مسلسلا رائعا مثل “العملاق”. هذا شغل أواخر السبعينات ويقدم حياة الكاتب محمود عباس العقاد. كثير من عناصر نسخة جديدة يمكن أن تعد من هذا الأصل متوفرة أساسا. المنتج، أو ورشة إعادة كتابة السيناريو، يمكنهما الانطلاق من هناك لإعداد مسلسل جديد بروح جديدة. هذا أكثر من مقبول. لا أذكر كم مرة شاهدت إنتاجا جديدا لرائعة تشارلز ديكنز “أوليفر تويست”. كل مرة بلمحات وروح جديدتيْن.

◙ أين أخفق زعماء تلك المرحلة وأين أصابوا وكيف بنت مصر من هذه العناصر قوتها لتصل إلى ما وصلت إليه عربيا وأصبحت مرجعية سياسية وثقافية من خلال تتبع الشخصيات في تلك المرحلة

الفكرة ليست إعادة الإنتاج، بل الروح الجديدة. هذه شخصية سياسية ورومانسية وجدلية وإعلامية جذبت إليها الناس. في مرحلة، كان العقاد شاغل الناس. هذا ما جعل العربي يهتم بالشخصية المصرية وينتبه إليها أكثر. ترسيمة المسلسل القديم، مجرد ترسيمة. يمكن إعادة النظر بكل المفردات ومنها وربما أهمها عدم قدرة النص الأصلي على احتواء تطور الشخصية دراميا، فصارت تتمايل بين حلقة وأخرى بين إفراط في السياسة أو الرومانسية. لا يمكن لوم أحد بالطبع ولا يزال المسلسل جميلا، من أول صرخة تتر البداية “ولا النيل تهزه الصخور”. من يستطيع مقاومة إغراء تسجيل علاقة رومانسية بين العقاد المصري ومي زيادة اللبنانية صاحبة واحد من أشهر الصالونات الأدبية في القاهرة في عز مجد الصالونات. الصالونات سباقة من قبل أن تتناهش النقابات الأفكار وتجيشها وتسيسها وتقتل فكرة النادي في تجميع المثقفين لتحوله إلى فرصة وصول إلى تيار يساري أو ديني أو تابع للسلطة.

إعادة الروح لمثل هذا الإنتاج بمعنى الورشة تفتح المجال ليس فقط للجماليات البصرية والصوتية، بل لتقديم الأفكار السياسية في تلك المرحلة وكشف الإخفاقات من دون بطولات ومبالغات. أين أخفق زعماء تلك المرحلة وأين أصابوا. كيف بنت مصر من هذه العناصر قوتها لتصل إلى ما وصلت إليه عربيا، أي أنها أصبحت مرجعية سياسية وثقافية، من خلال تتبع الشخصيات في تلك المرحلة.

هذا ليس للقول إن العقاد يمثل تلك المرحلة أو المراحل. لكن هو وغيره وإنتاجات درامية أخرى، يعيدون الاعتبار والاهتمام للحضور المصري الذي تحتاجه القاهرة اليوم أكثر من أي وقت مضى. من أغنية “يا بلح زغلول يا حليوة يا بلح” في مقطع الحديث عن دور الأغنية في ثورة المصريين ضد البريطانيين ما بعد الحرب الأولى، نمهد لمسلسل يستعيد، ومن ماسبيرو أيضا، دور سيد درويش ليس في الحس الوطني وتفخيمه وتقديمه، بل بإعادة تأسيس الأغنية العربية الحديثة على بساطة الحداثة من دون المبالغة في إسقاط الغربي على عالمنا الشرقي. سيد درويش الذي نسي الكثير من الموسيقيين والمطربين العرب أنهم من دون أن يدركوا هم بالفعل تلاميذ تجديده.

“يا حليوة يا بلح يا بلح زغلول

عليك أنادي في كل وادي

قصدي ومرادي”.

هذه اسمها قوة ناعمة، وهذه اسمها قوة جاهزة، وهذا ما يذكر العرب بما هي مصر ومن تكون.

د. هيثم الزبيدي

كاتب‭ ‬من‭ ‬العراق‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬لندن

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه