الكارتلات في تونس معركة مع الوقت

بقلم مختار الدبابي آب/أغسطس 17, 2023 181

الكارتلات في تونس معركة مع الوقت


قيس سعيد قلب في الأوراق ونظر إلى ما يشبه ورشا أو زرائب أو مكاتب، لكن من الواضح أن لا شيء بقي في تلك المزرعة لا يحتاج إلى إعادة نظر.

معركة وجود
قدمت الزيارة التي قادت الرئيس التونسي قيس سعيد إلى إحدى المزارع في محيط العاصمة تونس صورة بليغة عن المعركة مع الكارتلات التي تحدث عنها الرئيس باستمرار في الأيام الأخيرة.. كل شيء واقف وكأن لا وجود لدولة ومسؤولين.

قلب الرئيس سعيد في الأوراق ونظر إلى ما يشبه ورشا أو زرائب أو مكاتب، لكن من الواضح أن لا شيء بقي في تلك المزرعة لا يحتاج إلى إعادة نظر.

الملاحظ هنا أن قيس سعيد يقوم بما عجز عن فعله الآخرون ممن حكموا بعد 2011. لقد دخل بين الناس، واستمع إلى مشاغل الفئات الضعيفة والمهمشة، وقدم دلائل وثيقة وثابتة عن الفساد الذي لا يراه الناس، أو تعودوا به وصار جزءا مألوفا..

الذين سبقوه لم يغادروا مكاتبهم ولم ينزلوا إلى الشوارع إلا في الحملات الانتخابية محاطين بأنصارهم ووعودهم بالرغم من أن أدبياتهم، يمينا ويسارا، مليئة بالشعارات التي تتحدث عن الفقراء والمستضعفين.

نجحت زيارة قيس سعيد إلى إحدى المزارع في أن تقدم صورة حقيقية عن عينة من لوبيات قطاع الزراعة الذين يضعون أيديهم على أراضي الدولة ويديرونها على هواهم ويعيقون استفادة الناس منها.

الكارتلات التي تتقن التخفي وتمتهن أسلوب التعطيل والإرباك بدم بارد لا يقدر على مواجهتها شخص واحد، ولو كان رئيس الجمهورية بكل مشروعيته السياسية والشعبية. سيحتاج إلى أن تتحول الحملة التي يخوضها إلى مطلب شعبي حقيقي

تعرض الدولة الأراضي التي تعود ملكيتها إليها للكراء بأسعار رمزية، ولا تسأل كيف يتم استثمار تلك الأراضي، وبأي طريقة، وهل أن من استأجرها مزارع حقيقي أم وسيط، وهل سيشرف عليها بنفسه أم سيكتريها لآخرين.

في أرض الدولة، التي لا تتابعها الدولة ولا تهتم لما يجري فيها، تحدث العمال، وأكثرهم من النساء، عن أوضاع مأساوية يعيشونها، بين أجور ضعيفة ودون ضمان صحي، وكيف يتم طردهم بحسب مزاج المشغلين، وأن جزءا كبيرا من تلك الأراضي مهمل.

لماذا يستنكف المسؤولون في وزارة الزراعة، وبالأساس في ديوان الأراضي الدولية، عن المتابعة ومحاسبة المشغلين لتلك الأراضي، وطريقة زراعتها، وكيف وصلت إلى من لا يستحق؟

الحقيقة أن الأمر لا يتعلق بهذه المزرعة، فهذه عينة من عشرات الحالات. لا يمكن اتهام المسؤولين في أي مستوى من وزارة الزراعة أو غيرها من الوزارات بالتواطؤ أو التغطية على هذا الوضع، ولكن الأمر يتعلق بتطبيع شامل مع هذه الظاهرة، لا أحد يقترب منها.

وما يزيد من صعوبة مواجهة هذه اللوبيات أن عملها قانوني، فهي تقوم بأنشطتها عبر هياكل مختلف المؤسسات، وتحصل على الصفقات والقرارات والامتيازات عبر المسالك العادية وتحوز توقيع المسؤول المعني دون إثارة أي شبهات، وتشغّل معها سلسلة من الشبكات والموظفين وتمنحهم مزايا مغرية تجعل من الصعب على أي موظف أن يقف في وجهها، ومن يعترض تقدر على استبداله بيسر دون أن يسمع صوته أحد.

تتحكم في تعيينات المسؤولين من وراء ستار، ما يجعل لها أفضالا عليهم، من المسؤول الصغير إلى المسؤول الكبير، من الوظيفة الهامشية إلى الكبرى، من حارس الغابة (حتى يسهل عليها سرقة الخشب)، إلى موزعي الأعلاف (للتحكم فيها وتوزيعها على الأصدقاء والموالين) إلى مدراء المستشفيات (لتأمين تهريب الأدوية وتخريب الأجهزة الطبية المتطورة التي تشتريها الدولة إذا ما كنت تتناقض مع مصالح بعض كبار المستفيدين).

المفارقة أن الناس يشتكون من هذه الظاهرة، ظاهرة النفوذ الخفي الذي يتحكم في كل شيء، وترى ذلك في كلمات يائسة على مواقع التواصل الاجتماعي، وتراهم يلعنون الوساطة والمحسوبية، لكنهم لا يفوتون الفرصة لقضاء أي شأن إداري أو طلب وظيفة أو وثيقة من خلال تحريك علاقات الوساطة، والمرور من فلان إلى علان وصولا إلى الرأس الكبير.
وأغلب الذين يشتكون من الوساطات والرشى يفعلون ذلك بوعي ويعتبرون الأمر شطارة وذكاء. وهذا أحد أسرار الصعوبة في مواجهة الكارتلات، فهي تتمدد في المجتمع بشكل عنقودي، ولا يكفي معها إزاحة مسؤول في موقع متقدم، فهذه الكارتلات قادرة على ترشيح غيره وتزيين ملفه والنفخ في خصاله حتى يكون أفضل خلف لخير سلف.

تكمن خطورة هذه الكيانات في أنها غير معروفة وتتخفى وراء أبعاد سياسية واقتصادية ومناطقية وأمنية بشكل يجعل مصالحها محمية من عدة أطراف ويعيق عملية الاقتراب منها مِن قِبَل أي مسؤول يريد تتبع نشاطها ومحاصرتها كما يطلب الرئيس سعيد ذلك من الوزراء ووزراء الشؤون أو المدراء العامين.

لكن الحملة الكبيرة، والتي تتم بشكل كبير وبإشراف يومي من الرئيس سعيد، ستجعل هذه اللوبيات تنكفئ قليلا وتعمد إلى التهدئة، وخاصة في ملف الحبوب، وهي تعرف أن الدولة لا تساوم في موضوع الخبز، وأنها قد تضطر إلى اتخاذ إجراءات أكثر إيلاما، وهو ما عكسه الاجتماع الهام للرئيس سعيد ليل الثلاثاء/الأربعاء مع رئيس الحكومة أحمد الحشاني ووزيري الداخلية والتجارة وكبار المسؤولين الأمنيين.

وجاء هذا الاجتماع بعد حملة مراقبة “في عدد من المطاحن وأسفرت عن اكتشاف عدد غير قليل من المضاربين والمحتكرين من الذين يقفون وراء هذه الأزمة المفتعلة للحبوب”، حسبما ذكرت رئاسة الجمهورية التونسية على حسابها على مواقع التواصل الاجتماعي.

زيارة قيس سعيد إلى إحدى المزارع نجحت في أن تقدم صورة حقيقية عن عينة من لوبيات قطاع الزراعة الذين يضعون أيديهم على أراضي الدولة ويديرونها على هواهم ويعيقون استفادة الناس منها

ورغم الحماس الذي يبديه الناس لهذه الحملة على أمل أن تحررهم من نفوذ “الحيتان” الكبيرة، فإن التحليل الهادئ يفضي إلى حقيقة أن المعركة طويلة، وتحتاج إلى جولات كثيرة. الأمر لا يتعلق بجهة معلومة، سياسيا أو اجتماعيا، بل بأخطبوط يشتغل براحة كبيرة منذ بداية الاستقلال في 1956، ويتسع ويتعملق مع مرور الوقت، وتساعده في ذلك ثقافة شعبية تنظر إليه بإيجابية وتعطيه مشروعية واقعية.

ومن المهم الإشارة هنا إلى أن هذه الكارتلات التي تتقن التخفي وتمتهن أسلوب التعطيل والإرباك بدم بارد لا يقدر على مواجهتها شخص واحد، ولو كان رئيس الجمهورية بكل مشروعيته السياسية والشعبية. سيحتاج إلى أن تتحول الحملة التي يخوضها إلى مطلب شعبي حقيقي يدعمه الناس بالتظاهر وتنخرط فيه الدولة بكل مؤسساتها وتخرج فيه عن الحياد البيروقراطي.

وكان واضحا أن خطاب الرئيس سعيد، خلال زيارة المزرعة (الضيعة) في محيط العاصمة، يوجه رسالة ضمنية لمن حضروا ومن تابعوا الزيارة عبر الفيديو على موقع الرئاسة، بأن عليهم أن يشاركوا في المعركة حماية لمصالحهم، وأن يساهموا في مواجهة الكارتلات وألا يكتفوا في هذه المعركة بالفرجة.

لم يقل قيس سعيد خذ لأحد ممّن قدموا له طلبات كثيرة خلال المقابلة، ولم يأمر بشيء، بل قال أنتم أسسوا، أنتم اعملوا، وستكون الدولة معكم.

لا تريد الدولة أن تدخل بإجراءات تشبه التأميم أو وضع اليد مباشرة على المزرعة وغيرها من أراضي الدولة وتديرها بنفسها، فهي بالأساس تعاني من تضخم الجهاز الإداري، ومن البيروقراطية القاتلة، ومن مصلحتها أن يتم الاستثمار في هذه الأراضي من جهة خارجها، لكن على أن تكون تحت الرقابة الشديدة، وأن لا تترك لأي جهة التلاعب بالناس.

وتحتاج الدولة، كذلك، أن تواجه هذه الحيتان وهي في وضع مستقر. صحيح أن هذه المعركة بمثابة معركة وجود، لكن وفي ظل الوضع المالي الدقيق للبلاد وصعوبة توريد المواد الأساسية من الخارج بما يكفي، فإن هذه الكارتلات ستستمر باللعب والضغط والمناورة.

لكن في الوقت الذي تنجح فيه تونس في تأمين التمويلات الضرورية وتوفير ما تحتاجه براحة أكبر من مواد أساسية، فإن الدولة تستطيع أن تفكك أغلب الشبكات بسرعة وتنهي البقية مع الوقت، والوقت تحدده الدولة وفق إمكانياتها وظروفها وشروط عملها، وخاصة وفق قدرتها الأمنية والقضائية على كشف الشبكات بالأدلة.

مختار الدبابي

كاتب وصحافي تونسي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه