تاريخ الكلام: بين دارون وتشومسكي

بقلم د. مظهر محمد صالح أيلول/سبتمبر 09, 2023 271
 
 
 
تاريخ الكلام: بين دارون وتشومسكي
 
 
د. مظهر محمد صالح
 
 
قد يكون الكلام مادة ليست غالية الثمن ولكن يعد في مضامينه الحياتية واحدا من افضل الموجودات التي يتعاطاها الجنس البشري. بهذه العبارة طالعنا الصحفي والمؤرخ الاميركي الكبير توم وولف في كتابه الصادر في الولايات المتحدة في آب 2016. تحت عنوان "مملكة الكلام"، مستعرضاً بمنهجية تحليلية رفيعة المستوى تاريخ صراع الجنس البشري لفهم ما اسماه وولف :الكلام-القوة العظمى .وقد اجاب الكاتب وولف اثناء حفل توقيع كتابه على تساؤل لأحد الصحفيين الشباب الذي فاجأه بالقول: لماذا لم يكن الاستاذ نعوم تشومسكي من بين حضورك يا سيد وولف وانت تعلم ان تشومسكي هو استاذ اللسانيات في جامعة هارفرد؟ هنا غمغم الكاتب وولف في نفسه ليقرأ في وجه الصحفي الشاب امراً نذيراً خفياً بالغضب ولكنه لم يعثر للكراهية من أثر، فآمن من فوره بان الامور لا تقاس بمظاهرها قبل ان يقلب الكاتب جوهرها.ثم رد قائلا : "لقد وجهت الدعوة الى تشومسكي لحضور حفل توقيع كتابي هذا ولكنه اهمل دعوتي ولم يستجب اطلاقاً". رد الصحفي الشاب قائلا " هل يا سيد وولف ثمة سبب ما لعدم حضوره"؟اجاب الكاتب بنعم.فان ادارة التناقض في مسألة تاريخ نشوء الكلام هو بمثابة صراع القوة على خلفية الارث الفكري بين كلا عالمي الطبيعيات جارلس دارون و اللسانيات نعوم تشومسكي، والاخير هو الشخصية العلمية التي سعت الى فهم القابليات الخاصة بالجنس البشري . وقد سعى كلا العالمين للاجابة على الكيفية التي يبلغها الجنس البشري للحصول على ملكة الكلام. ففي الوقت الذي يرى فيه دارون بان الجنس البشري قد تعلم الكلام من الطيور ،يرى نعوم تشومسكي بأن لدى الانسان عضواً متخصصاً يدعم ويؤازر بشكل واضح البناء المشترك لنظم الاتصالات الشفهية وعلاقات التفاهم ما بين البشر.
وواصل وولف قائلاً: وبهذا فقد ظل العالمان دارون وتشومسكي وحدهما المهيمنين على التفكير الانساني بشأن نشأة اللغة وعلى مدار قرن ونصف من الزمن.وبالرغم من كل تلك الجهود فقد اعترف تشومسكي بنفسه بأن اصل اللغة مازال غير معروف.واخيراً واصل توم وولف وهو يتحدث الى الصحفي الشاب قائلاً :ان جارلس دارون كان رجلاً حالماً ولا يمتلك ميزة سوى انه كان ملازماً لمنزله جالساً على كرسيه وهو ينتج افكاره ويداعب كلبه الى جانبه..!.في حين يستريح نعوم تشومسكي البالغ من العمر 87عاماً في مكتبه وقت ذاك  الذي صار فيه مدمناً على جهاز التكييف والاجواء الحالمة،وهو يشخص فرضيات هي من صلب اهتمام علماء الانثروبولوجي .
هنا علا صوت الصحفي الشاب قائلاً لتوم وولف:إذن ماهي الحقيقة الجديدة التي توصلت اليها وانت الشخص الثالث الذي يتنافس على عرش مملكة الكلام؟ اجاب وولف قائلاً: ان الكلام هو ليس خاصية محددة النوعية وليس له وجود طبيعي منفصل بل انه يحدث ويتحقق كشيء من صنع البشر وهو نتيجة نافعة يولدها الارث التاريخي والثقافي للمجتمع .فالكلام وسيلة يصنعها الجنس البشري كواحدة من عجائب القوة البشرية التي تجعل الانسان من اقوى المخلوقات على الارض. ختاما،الكلام مملكة حقاً... فما هو متاح فيها من موجودات ليس متاحا للمخلوقات الحيوانية الاخرى.
قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه