سرقة الثروة المائية العراقية بفرض الأمر الواقع جريمة بكل المقاييس!

بقلم: أستاذ الفكر السياسي
الدكتور: أنمار نزار الدروبي
نائب رئيس تحرير صحيفة العروبة اليوم

بلاشك أن سرقة الثروة المائية العراقية لا تختلف قيد أنملة عن الإرهاب الذي تعرض له البلد خلال الأعوام الماضية من قبل القاعدة وداعش وغيرها من التنظيمات الإرهابية ومازال العراق يقاتل للقضاء على الإرهاب بكل تفرعاته. ومع هذا الحقد الواضح للعراق وشعبه العظيم تتلاشى الحقائق ليحل مكانها الأباطيل، وهي تزوير التاريخ والجغرافيا من قبل دول عربية وإقليمية لا تريد خيرا للعراق. دجلة والفرات تجفف منابعهما تركيا وشط العرب تلتف عليه الكويت لتقطع شرايينه. إذن هي حرب منظمة ومؤامرة غربية تستهدف اغتيال كل ما هو جميل وشامخ فى وطننا. ربما القادم هو قطع كل أشجار النخيل التي لاتزال شامخة تطرح التمر.
والمؤكد أن العراق وطن عريق بشعبه العظيم وتاريخه المجيد وحضارته. وبما أننا نجونا من سرطان الافكار التكفيرية وحمى الطائفية، إذن لن تستطيع أي قوة خارجية ومؤامرة دولية ان تنتصر علينا، لاسيما أن المجتمع العراقي يتمتع من المناعة التاريخية والزمنية ما يجعل الانتصار عليه مسألة بالأحلام. هكذا العراق الشامخ فى التعامل مع أعداءه من ثورة العشرين العظيمة إلى القضاء على تتار العصر تنظيم داعش الإرهابي.
إن من يسرق مياه وادي الرافدين وخور عبد الله لا يريدون أن يكون العراق نجمة تبرق فى السماء. إنهم يكرهون جمال أبي الخصيب وآثار بابل والزقورة وملوية سامراء وينابيع المياه وروعة شط العرب، بل يكرهون قصائد بدر شاكر السياب ونازك الملائكة، ومؤلفات علي الوردي، وأعمال خالد الرحال ولوحات حافظ الدروبي ويريدون بنا أن نعيش على أنقاض الفتاوى التكفيرية وخرائبها.
فهل تصرفات تركيا بقطع المياه عن أراضينا وسعي الكويت لسرقة خور عبد الله يمثل الدرس الذي يجعلنا نستفيد من أخطأنا؟ وهل يكفي أن نشجب ونرفض. أم يكفي أن ندين تركيا ونلعن الكويت؟ لا بد من التعامل معهم بأساليب تتجاوز قدراتهم وباستراتيجية تفوق استراتيجيتهم، وتحديد أوجه القصور في هذه القضية.
تركيا ترى أن نهري دجلة والفرات ليسا نهرين دوليين كي تنطبق عليهما أحكام القانون الدولي للمياه. من هذا المنطلق الكوميدي ترفض تركيا الموافقة على اتفاقية الأمم المتحدة حول استخدام المجاري المائية للأنهار الدولية غير الملاحية، لأن هذه الاتفاقية لا تشير إلى مبدأ سيادة الدول على الممرات المائية الدولية التي تمر من أراضيها. في الوقت نفسه لا توافق تركيا على إبرام أية اتفاقية دولية لتحديد حصص الدول في المياه بموجب مبادئ القانون الدولي، وتركز في المقابل على بحث التعاون الفني لضمان حسن الاستغلال الأمثل للمياه. باختصار نحن أمام إرهاب دول تتصرف كمجرم وسارق.
من هنا فإن الاعتماد على الوسائل التفاوضية والطرق الدبلوماسية لم يعد أمرا متاحا مع اللصوص، ولم يمكن الاعتماد عليه فى مثل هذه المهام الصعبة. ولن نبقى مكتوفي الأيدي أمام دول تمارس الإرهاب علينا. عليه وفى كل الحالات يجب وضع الحلول الاستراتيجية وتنسيق كامل بين كل القوى الرسمية والشعبية في الدولة التي تمتلك الخبرة فى التعامل مع هذا الملف. لكن يبدو أن مواجهة هذا الملف لم تكن دقيقة أو وافية. بالمقابل فقد لعبت الاتفاقات السرية دورا مؤسفا فى هذا الملف، تلك الاتفاقات التي شاع بث بعضها على فضائيات بعينها دون حساب أو عقاب، ولم تحتج أي جهة رسمية، وإنما كان هناك تشجيع عليها.
ولكيلا تتحول اخطائنا إلى خطايا يجب على الدولة التحرك وبطريقة غير عادية لوقف هذا الاعتداء السافر على ثرواتنا المائية. إذن لابد من فتح جبهة قوية ضد هذا النوع من الإرهاب، وهو ما يفرض علينا تدويل تلك القضية. وعند التدويل ستتوسع لتشمل أمورا فنية أخرى. ولكن لا يجوز أن تنتهي دون التوصل إلى حل يكشف عن كل الأمور المتعلقة بالموضوع. لاسيما أن ادعاء الكويت بملكية خور عبد الله مثير للسخرية ويكشف عن تزويرهم للتاريخ والجغرافيا وحساباتهم القائمة على الخداع.
وتأسيسا لما تقدم، لن نسمح لأحد أن يسرقنا بفرض الأمر الواقع، وليس من حق أي دولة أن تقلب موازين العلاقات مع العراق، ولا نعترف بأية وثائق ومستندات مزورة. وهذا ردا على الجرائم التي ترتكب بحق حضارة وتاريخ العراق وسيادته المطلقة. ففي حساب السيادة لا تساوي كل دول العالم نهري دجلة والفرات وخور عبد الله. في السياق ذاته، نحن لا نحتاج إلى بيانات مثيرة للشفقة، ولا لكلمات الشجب والرفض والاستنكار، فهذه الكلمات ربما تريح تركيا والكويت ولا تؤثر فيهم. وبهذه الصيغة نصل إلى نتيجة فاعلة ومباشرة، لكي تستوعب كلا من تركيا والكويت موقف العراق الرافض لكل سياساتهم، فهي اللغة التي يفهمها هؤلاء. وكذلك يجب محاسبة المخطئ، لأن الفساد ليس فقط في نهب المال العام، أليس تجفيف نهري دجلة والفرات وسرقة خور عبد الله إهدار من نوع جديد للمال العام أيضا؟
لقد شبعنا ثرثرة ومؤتمرات صحفية حول الموضوع. ولأن الثرثرة والمؤتمرات بلا إنجازات فإن تركيا والكويت أفرطا فى توصيف السرقة. نحن كدولة وشعب نقف على أرضا صلبة وسوف نجهض أي مؤامرة سواء تركية أو كويتية وغيرها. بالتالي فإن كل هذه المخططات ستفقد بريقها بعد أن تفقد حجمها.
نحن لم ننتقد ولا نصطاد فى المياه العكرة، ولا جيشنا وشعبنا عاجز عن مواجهة مثل هذه الأفعال.

قيم الموضوع
(0 أصوات)
انمار نزار الدروبي

كاتب وباحث سياسي عراقي مقيم في بروكسل

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه