أهلا بكم في جوهرة الساحل.. وآه يا بحر

بقلم حكيم مرزوقي أيلول/سبتمبر 26, 2023 103

أهلا بكم في جوهرة الساحل.. وآه يا بحر


التونسي الذي لا تطل قريته أو مدينته على البحر ينقصه، بالضرورة، شيء ما، ويحس ببعض النقص، مهما حاول المكابرة والادعاء بأنه يشبه شموخ الباريسي في ابتعاده عن البحر واكتفائه بنهر السين.

هذا البحر يعني الكثير في أذهان التونسيين
القرار الرئاسي في تونس بتقسيم البلاد إلى خمسة أقاليم تطل جميعها على البحر، وعلى الرغم من جدواه وأهميته الإدارية والتنموية والسياسية، استقبله التونسيون – كعادتهم – بالسخرية وإطلاق النكات.

السبب في ذلك هو أن تجتمع في الإقليم الواحد محافظات متباينة الحظوظ على صعيد التنمية البشرية التي تشكو غياب التكافؤ في الفرص منذ بداية الاستقلال.. وتلك حكاية يتشعّب شرحها على هذه المساحة التي تُعنى بقهوة الصباح دون أن يعكرها حديث السياسة والأرقام.

وبالعودة إلى سرّ إغراق سوق السوشيال ميديا بالضحك والنكات حول نظام الأقاليم الجديد في تونس هو أن كل قرية أو بلدة، ومهما كانت نائية في أطراف البلاد، صار لها منفذ إلى البحر، وأخذت حصتها منه، وذلك بفضل التقسيم العرضي الجديد لجغرافية البلاد.

وهذا البحر يعني الكثير في أذهان التونسيين وأفارقة جنوب الصحراء على الرغم من أنه لم يكن لهم دائما صديقا وفيا وكتوما، ويستمر في رمي عشرات الجثث من الذين ركبوا أمواجه على ظهور المراكب المتهالكة في اتجاه الحلم الأوروبي.

البحر لدى التونسيين استجمام وفنادق ومنتجعات وصيد وسياح وفرص تعارف وعمل وتحصيل الأرزاق، لذلك تُشد إليه الرحال وتشرئب له الأعناق، وتكتب فيه القصائد حتى من طرف الذين لم يعرفوه ولم يجربوا السباحة فيه أو الأكل من خيراته أو حتى الاكتفاء بالتأمل في زرقته من سكان المناطق الداخلية.

صار لكل إقليم بحره، ولكل تونسي نصيبه من هذا “الأزرق الكحلي” كما كان يقول محمود درويش، وذلك بفضل هذا التقسيم الإقليمي الذي محا الفوارق على الخارطة، فمتى يمحوها على أرض الواقع الذي يكشر عن أنيابه يوما بعد يوم؟

التونسي الذي لا تطل قريته أو مدينته على البحر ينقصه، بالضرورة، شيء ما، ويحس ببعض النقص، مهما حاول المكابرة والادعاء بأنه يشبه شموخ الباريسي في ابتعاده عن البحر واكتفائه بنهر السين.

ظل سكان السواحل والمناطق المتاخمة للبحر يفاخرون بأنهم يتقنون إعداد العشرات من أطباق السمك الطازج، ويعددون أسماءها بحسب المواسم، بينما يكتفي سكان المناطق الداخلية بقلي نوع أو نوعين من الأسماك التي تصلهم مجمّدة أو مرباة في الأحواض.

الآن، وقد أصبحت الأقاليم التونسية الخمسة – خمسة في عين الحسود – جميعها تطل على البحر، صار جميع الناس في بلادي أبناء بحر، بل وأصبح البعض يفكر في امتهانه سباحة وصيدا وغوصا وركوبا للأمواج.

وصل الأمر إلى أن بدأ سكان المناطق الداخلية بتعديل لهجاتهم وأمزجتهم وعاداتهم بما يناسب سكان المناطق الساحلية إلى درجة أن سكان إحدى المناطق النائية قد كتبوا على مدخل بلدتهم النائية “أهلا بكم في جوهرة الساحل”.

حكيم مرزوقي
كاتب تونسي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه