الجوع كافر.. حتى في بريطانيا

بقلم علي قاسم أيلول/سبتمبر 29, 2023 94

الجوع كافر.. حتى في بريطانيا


السرقة أصبحت مهنة، هناك لصوص يسرقون حسب الطلب، حدد لهم السلعة؛ لحم، عسل، قهوة، فاكهة، ملابس.. تحصل عليها بثمن ضئيل مقارنة بالسعر الأصلي.

ارتفاع تكاليف المعيشة
القول جوّع كلبك يتبعك، وهو أمر مشكوك فيه، لا يصح على البشر. الجوع وفق رواية أخرى كافر..

لننس التربية، وننسى القانون، كل هذا لن ينفع عندما يقرقر البطن جوعا.

البشر لا يطيعون من يجوعهم، بل ينقضون عليه لانتزاع طعامهم بالقوة.

هل نسينا أن النظام الملكي في فرنسا سقط وكان السبب في سقوطه الجوع.

إن أراد الحاكم أن يطاع عليه ليس فقط طلب المستطاع، بل عليه أن يضمن قبل ذلك حياة كريمة للرعية، في مقدمتها المأوى والرعاية الصحية والغذاء. دون ذلك لن يستطيع السيطرة على رعيته إلا بالحديد والنار.

وما يحدث في بريطانيا اليوم، يؤكد أن الجوع كافر. حيث تفشت السرقات إلى حد دفع وسائل الإعلام إلى وصف عام 2023 بـ”عام لصوص المتاجر”.

بالطبع المترفون وأصحاب المتاجر يلقون باللوم على الحكومة، ويقولون إن غياب تدخل الشرطة والعقوبات المتساهلة تشجع اللصوص.

لقد أصبح اللصوص كما يقولون أكثر جرأة وعدوانية، وهم ينتمون إلى مختلف شرائح المجتمع.

الأمر لا يتعلق بالجرأة، وإنما بالحاجة. أكبر دليل على ذلك ما قاله صاحب متجر لهيئة الإذاعة البريطانية عن “أمهات يخبئن البضائع في عربات أطفالهن؛ هناك متقاعدون وأطفال ومراهقون يفعلون ذلك على كراسٍ متحركة”.

وأصبحت السرقة مهنة، هناك لصوص يسرقون حسب الطلب، حدد لهم السلعة؛ لحم، عسل، قهوة، فاكهة، ملابس.. تحصل عليها بثمن ضئيل مقارنة بالسعر الأصلي.

صحيفة “ميرور” البريطانية التي نشرت تحقيقا نقلت فيه مخاوف أصحاب المتاجر وصفت الظاهرة بالوباء. وهو ما أكده رئيس اتحاد التجارة البريطاني الذي قال إن السرقات المُبلغ عنها في إنجلترا وويلز ارتفعت بمقدار الربع في عام 2022. ويقدر الاتحاد الأضرار بحوالي مليار جنيه إسترليني سنويا.

رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك قال إن الوضع “غير مقبول قطعا”، ولكنه لم يكمل ليكشف عن السبب، الذي كشفه رئيس اتحاد تجار التجزئة وهو التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة.

في السابق كانت السرقات مقتصرة على سلع باهظة الثمن، اليوم ما يسرق هو سلع أغلبها غذائية.

وبينما سقط الأمر من أيدي أصحاب المتاجر الصغيرة، لجأت سلاسل البيع الكبيرة مثل “سينسبري” و”تيسكو” و”ويتروز” إلى المساعدة الذاتية على نفقتها الخاصة، حيث قامت بتعيين محققين سريين وتجهيز الموظفين بكاميرات مثبتة في الملابس.

كل هذا لن يوقف تفشي السرقات. نعم، قد يبطئ الظاهرة، ولكن لن يوقفها. الذين يقدمون على السرقة يقدمون عليها لأنهم جاعوا.

لو قلنا هذا الكلام قبل أربعة أعوام لاتهمنا بالجنون..

اليوم، بوجود دراسات تقول إن أزمة الغلاء تسببت بـ”تقليص أعمار” السكان و”توسيع الفجوة” بين الأغنياء والفقراء، وتوقعت أن تشهد الأسر الأكثر فقراً عدداً من الوفيات أعلى بأربع مرات مما قد يُسجّل لدى الأسر الأكثر ثراء، يصبح تفشي السرقة أمرا مفهوما.
فالجوع كافر.. حتى في بريطانيا العظمى. والمخيال الشعبي الذي حول في الماضي شخصية لص (روبن هود) إلى بطل يحتفى به إلى اليوم، لن يكون غريبا أن يحول في ظروف مماثلة لصوصا ينتزعون قوت يومهم بالقوة إلى أبطال شعبيين.

علي قاسم
كاتب سوري مقيم في تونس

قيم الموضوع
(1 تصويت)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه