لماذا يحب اليابانيون الروبوتات ؟

تحسين الشيخلي

يمكن القول إن اليابان هي أول مجتمع ما بعد الصناعة الذي يتبنى احتمال التعايش بين الإنسان والروبوت. على مدى العقد الماضي، أصبحت الروبوتات اليابانية المصممة للاستخدام في المنازل والمستشفيات والمكاتب والمدارس موضع ترحيب في وسائل الإعلام الجماهيرية ومواقع التواصل الاجتماعي في جميع أنحاء العالم.

جينيفر روبرتسون ،الأستاذة في معهد الروبوتات، جامعة ميشيغان، آن أربور.وفي قسم الأنثروبولوجيا والدراسات اليابانية، جامعة واشنطن، سياتل. تستكشف في كتابها (الروبوتات والجنس والأسرة والأمة اليابانية - Robo sapiens japanicus: Robots, Gender, Family, and the Japanese Nation )كيفية عمل تكنولوجيا الروبوت في المجتمع الياباني المعاصر. على وجه التحديد، تقول روبرتسون (إن الروبوتات البشرية يتم تخيلها وتصميمها واستخدامها بطرق تعزز القيم التقليدية والهياكل الاجتماعية... الروبوتات، مثل غيرها من التقنيات، ليست محايدة من الناحية الأيديولوجية، فهي معقدة إلى حد كبير، وتعكس رغبات صانعها البشري. وتعكس وتجسد قيم الدولة والشركات والمجتمع ، والأيديولوجيات، فهي تتمتع بالقدرة على حل المشاكل الإنسانية المتصورة بطريقة سحرية، سواء كانت نقص العمالة، أو انخفاض معدلات المواليد، أو التأثيرات البغيضة للشيخوخة، أو الزيجات غير السعيدة).

وتطرح مجموعة من الأسئلة ، مثل ، هل يحب اليابانيون البشر حقًا؟ هل نريد أن نكون محبوبين من قبل الروبوتات؟ ما هو نوع الذكاء الاصطناعي والروبوتات التي يحتاجها المستهلكون بالفعل؟ كيف يختلف اليابانيون والأوروبيون الغربيون في وجهات نظرهم حول الذكاء الاصطناعي والروبوتات؟.

اليابان من أول الدول التي تبنت مفهوم التعايش بين الانسان و الآلة في مجتمع المستقبل من خلال طرح ستراتيجية مجتمع الموجة الحضارية الخامسة وأطلقت على المشروع (المجتمع 5.0 ) وهو بمجمله وصفاً للمجتمع الحديث. مجتمع يقود فيه العلم والتكنولوجيا والابتكار التحول الذي سيخلق مجتمعا جديدا يتبع المجتمع الصناعي ومجتمع المعلومات. يُستخدم مصطلح (المجتمع 5.0) للإشارة ليس فقط إلى الثورة الصناعية كما يمثل مصطلح الثورة الصناعية الرابعة، بل إلى نقطة تحول في الحضارة. وبعبارة أخرى، فهذا يعني (نقلة نوعية إلى مجتمع جديد) حيث دخل الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والواقع المعزز والواقع الافتراضي إلى كل مشهد من الحياة اليومية، وتم دمج الفضاء الإلكتروني والفضاء المادي (العالم الحقيقي).

كيف يمكننا أن نفهم مثل هذا التحول في النموذج الاجتماعي في المجتمع 5.0؟

تنص استراتيجية اليابان الذكية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات التي قدمتها وزارة الشؤون الداخلية والاتصالات في عام 2014 على مهمة (أن نصبح الدولة الأكثر نشاطًا في العالم - لتحقيق النمو الاقتصادي والمساهمة الدولية من خلال الابتكار من خلال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات). بالإضافة إلى ذلك، تم إدراج (تحقيق بيئة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الأكثر تقدمًا في العالم في أولمبياد طوكيو 2020) كأحد الإجراءات.

كما تنص الستراتيجية على أنه من المهم بالنسبة للبشر، الذين هم (كائنات اجتماعية)، أن يفهموا الديناميكيات التاريخية والاقتصادية والاجتماعية التي تحيط بهم، وخاصة في مجتمع اليوم المتغير. وهذا مهم لخلق أفكار جديدة . لأنه لتجنب التخلف عن الركب في عصر الذكاء الاصطناعي، يجب علينا أن نستمر في التعرف على الفرص والمخاطر الجديدة التي يجلبها الذكاء الاصطناعي. وذلك لأنه من الضروري اكتساب (الحكمة الذكية) لتعظيم الفرص الجديدة وتقليل المخاطر وتحقيق الذات. ومن خلال التواصل والتفاعل مع الأفراد الذين لديهم الحكمة للعيش في مثل هذا العصر للذكاء الاصطناعي، ستظهر مجتمعات جديدة يتم فيها إنشاء وإعادة إنشاء الذات والمجموعات الاجتماعية والمجتمع بشكل متكرر من خلال التفاعل الديناميكي للقوى المشتركة فيه من بشر والات ذكية و كائنات معززة (سايبورغ).

تعرضت اليابان الى جملة من الانتقادات من أوروبا الغربية في مؤتمرات دولية. ونظم البرلمان الأوروبي مؤتمراً دولياً يناقش الموضوع تحت عنوان ( لماذا يحب اليابانيون الروبوتات؟) تحدثت فيه النائبة مادي ديلفو قائلة :

(لماذا يحب اليابانيون الروبوتات؟ نحن الأوروبيين، على عكس اليابانيين، نقاوم الروبوتات. لا يمكننا أن نتخيل وجود حيوان آلي مثل آيبو .أليس الروبوت مجرد شيء مصنوع كما غيره من الالات و المكائن؟ هل من المقبول أن نرى اليابانيون البالغين، ناهيك عن الأطفال، يصبحون مهووسين بالروبوتات؟... أنا قلقة بشأن الشعب الياباني . علينا أن نعمل بشكل مستمر على تثقيف الناس بأن الروبوتات ليست بشراً ولن تكون بشراً أبداً... فنحن لا نريد روبوتات تشبه البشر كما لديهم في اليابان. ولقد اقترحت إنشاء ميثاق ينص على أننا لا ينبغي لنا أن نجعل البشر عاطفيين. يمكننا الاعتماد على الروبوتات في العمل البدني، ولكن لا يمكننا أن نضمن أن الروبوتات سوف تحبنا أو تشعر بأحزاننا. لا ينبغي لنا أبدًا أن نفكر في مثل هذه الأشياء)
هذا الخطاب يعكس الفرق الكبير في ثقافة الغرب عن ثقافة الشرق. يقول عالم الاجتماع أنتوني جيدينز تعليقاً على خطاب النائبة في البرلمان الاوربي مادي ديلفو ،(( إنه من أجل القضاء على الاختلافات التي أكدت عليها الثقافة العالمية، هناك خيار بين (العنف) و(الحوار). إن الحوار الذي سيسمح لليابان بلعب دورها حقًا كدولة متقدمة تكنولوجيًا في العالم ، بما يتجاوز المعارضة الثنائية بين (أوروبا الغربية وبقية العالم) الناجم عن الاستشراق المحيط بالذكاء الاصطناعي والروبوتات، لم يحقق سوى نجاح محدود. ومن أجل بناء نظام معلومات يتمحور حول الإنسان، يجب ألا ننسى أبدًا مبدأ (قدسية الحياة) التي أراد اليابانيون ترسيخه حقًا كفلسفة وحكمة للتعايش في مجتمع المستقبل حيث البشر والآلة مكملان ومتكاملان في ديمومته ، بدلاً من أن يكون الخطاب موجهاً نحو التكنولوجيا. ))
تعمل اليابان في تطبيقها لستراتيجة مجتمع 5.0 دراسات وتجارب عملية حول التفاعلات بين الإنسان والآلة من علماء الروبوتات اليابانيين والسياسيين والشركات والمواطنين العاديين ،أحد الأمثلة على الإصلاحات التكنولوجية المحافظة التي يتم تصورها من خلال الروبوتات المتقدمة. تتضمن رؤية لمجتمع آلي بعنوان (يوم في حياة عائلة إينوبي)، حيث يظهر التعايش بين الإنسان والروبوت باعتباره القاعدة من خلال العمل المتحيز جنسيا للروبوتات الشبيهة بالبشر.

إن التكنولوجيا، بما في ذلك الروبوتات، والثقافة، هي عمليات متشابكة بل وتشكل بعضها بعضًا. تعمل كل من التكنولوجيا والثقافة على العديد من المستويات التي تم تصنيفها على أنها عالمية ومحلية. وكما هو واضح في الأدبيات الثقافية والعلمية، غالبًا ما توصف الروبوتات المصنوعة في اليابان بأنها مرتبطة بشكل لا ينفصم بالثقافة اليابانية ، تؤثر وتتأثر بها . في حين أن الروبوتات المصنوعة في أوروبا أو الولايات المتحدة كما لو كانت محصنة ضد التأثيرات والأولويات المحلية الثقافية.

فكرة أن الروبوتات تحتل مكانة خاصة في الثقافة اليابانية راسخة في الخطاب الشعبي وتحظى باهتمام علمي ونقدي متزايد. في الثمانينيات، أُطلق على اليابان اسم (مملكة الروبوتات) لتمييز ريادتها العالمية في مجال الروبوتات الصناعية وميلها الفريد على ما يبدو لقبول الرفقاء والشركاء الآليين. واليوم، يُشار إلى اليابان على أنها المكان الذي (يحب فيه الناس الآلة) والروبوتات (أصدقاء لا يقدرون بثمن). تشير الدراسات النقدية للروبوتات في اليابان إلى أن تقديم الروبوتات على أنها مستوطنة في الثقافة المحلية هو نتاج الجهود المتواصلة التي تبذلها الحكومة والصناعة والأوساط الأكاديمية لتشجيع القبول الشعبي للروبوتات. يمكن أن تعيد إنتاج القيم الاجتماعية المحافظة التي تحجبها الرؤى المتقدمة تكنولوجياً للروبوتات في المجتمع . وان الباحثين في مجال الروبوتات، يصنفون كمتخيلين اجتماعيين تقنيين باستحضار مفهوم الثقافة بشكل صريح في خطابهم الفني. والممارسات، وكيفية وضع أبحاثهم ضمن إطار ثقافي محلي أثناء المشاركة في التطوير العالمي للعلوم والتكنولوجيا الروبوتية.

تشير الأسس الثقافية والاجتماعية لتصميم واستخدام الروبوتات إلى زيادة الوعي بالطبيعة الاجتماعية للروبوتات وفعاليتها في التطبيقات اليومية للروبوتات في اليابان.

تقول جينيفر روبرتسون في كتابها ( في اليابان، لديهم فكرة روحانية قوية... لذا يمكنهم أن يعتبروا أن العقل يمكن أن يكون في أشياء صناعية أو في أشياء طبيعية، في الحجارة والأشجار. كثير من الناس في أوروبا وأمريكا لا يستطيعون التفكير في ذلك. ولكن في كوريا والصين واليابان، من السهل عليهم أن يأخذوا ذلك في الاعتبار. إنه فرق كبير، انها الثقافة. )

قيم الموضوع
(0 أصوات)
د. تحسين الشيخلي

كاتب واكاديمي عراقي

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه