شكرا لفريقي المفضل

بقلم حكيم مرزوقي تشرين1/أكتوير 31, 2023 111

شكرا لفريقي المفضل


أحسست بغربة شديدة في حي يهتف كل من فيه بحياة الترجي ويتمنى الخسارة والهزيمة للأفريقي، حتى انتابني شعور الجاسوس في دولة العدو.

معبودة الجماهير
كنت ولا أزال أحب جمعيتي الرياضية “النادي الأفريقي التونسي” حب الشياطين للشر كما يقال، وكنت أحب معها فتاة يتعصب والدها لغريمنا التاريخي في دربي العاصمة أي “الترجي الرياضي التونسي”.

تجرأت وقررت مفاتحة أبيها في الموضوع ومن ثم الاتفاق على الموعد الرسمي للخطوبة بمرافقة أهلي، حسب اتفاقي معها.

اخترت موعد نهائي مباراة الفريقين اللدودين لعل ذلك يكون فرصة لاختبار روح أبيها الرياضية، وفتح صفحة جديدة للوئام والتقارب، ولكن دون أن أصارحه بحبي للأفريقي.

كان ذلك زمن الدراسة الجامعية، وكنت لا أمتلك من لوازم العرس ومتطلباته سوى باقة الورد التي اخترتها من القرنفل الأحمر كلون مشترك يجمع بين أزياء الفريقين، وأضفت إليها خبزة كاتو استدنت ثمنها من أحد الأصدقاء، وحرصت على أن تتوج بالكريمة الشهية البيضاء المزينة بالفراولة والكرز الأحمر القاني أي بلوني فريقي المفدّى.

عزمت وتوكلت ثم قصدت بيتهم في حي باب سويقة العريق، معقل فريق الترجي الرياضي التونسي الملون بالأصفر والأحمر.

استقبلني أبوها في بيجاما بألوان الفريق وهو يرمقني أنا وخبزة الكاتو بنظرات مريبة داخل صالون مدجج بصور لاعبي “الترجي”، وكل ما يمت له بصلة من ميداليات وكؤوس ورايات ومقتنيات.

كانت المباراة على أشدها، وأحسست بغربة شديدة في حي يهتف كل من فيه بحياة الترجي ويتمنى الخسارة والهزيمة للأفريقي، حتى انتابني شعور الجاسوس في دولة العدو.

جلست أتابع مع السيد الوالد تلك المقابلة التي تحبس الأنفاس، ومع كل ركلة أو تمريرة أو مخالفة أو ضربة حرة أو صافرة كان يهتز قلبي بين ضلوعي وأخشى أن ينكشف أمري فأمسي هباء منثورا.

وكان الأب يلتفت إلي مستغربا من عدم تفاعلي مع كل لقطة مثيرة من المباراة، ودون أن ينسى تسديد الشتائم للاعبي النادي الأفريقي أو حكم الساحة الذي يتهمه بالانحياز.

وجدتني في كل مرة مضطرا إلى مجاملته ومجاراته بتصنع الحماس وتشجيع فريقه، لكن ذلك كان صعبا، ويصيبني بتأنيب الضمير والشعور بمرارة الخيانة، خصوصا في اللحظات التي ألمح فيها حبيبتي ترمقني باستغراب ممزوج ببعض الاستياء.

لعلها كانت تقول في نفسها: يا لنفاقه وخيانته لفريقه الذي يدعي الإخلاص إليه ويزعم أن “دمه أحمر وأبيض”.. إذا كان يفعل هذا مع جمعيته الرياضية، فما بالك مع حياته الزوجية؟

تنفست الصعداء عند الاستراحة بين شوطين متعادلين دون أهداف، ووجدت الفرصة لفتح موضوع الخطوبة فأبدى موافقته المبدئية، لكن فكره كان مشوشا وتركيزه ضعيفا. بدأ الشوط الثاني وكنت أستعجل الوقت وأدعو ربي أن تنتهي المباراة بالتعادل دون أهداف.

فجأة ودون سابق إنذار، سدد أحد مهاجمي الأفريقي كرة صاروخية استوطنت في مرمى الترجي فأطلقت صرخة ابتهاج مدوية.. ولكم أن تتخيلوا الباقي.

شكرا لفريقي الذي أنقذني من تلك الزيجة.

حكيم مرزوقي
كاتب تونسي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه