إنسانية هشة

بقلم ربى عياش تشرين2/نوفمبر 16, 2023 75

إنسانية هشة


فعلا سقطنا في الهاوية بعدما كنا نعتقد أننا نعيش في عالم متقدم إنسانيا وأخلاقيا وحتى كلمات مثل: إنساني وأخلاقي وقيم وثقافة باتت مضحكة.. كلمات باتت تسخر الحياة من سُخفها وهشاشتها.
ما قيمة الإنسان بالنسبة إلى النظام العالمي
كل حدث وموقف جديد يُظهر لنا مدى هشاشة العالم الذي نعيش فيه.. تسقط الأقنعة مع كل اختبار جديد ويتضح مدى هشاشة إنسانية هذا العالم..

تشاهد عبور هذه الأيام الثقيلة، وجل ما تفكر فيه خلال المتابعة القاسية والمؤلمة لكل التشرذم الذي يحدث مؤخرا.. هل يكترث هذا النظام للإنسان؟

حتى إني أشعر بالخجل من طرحي لهكذا سؤال.

يبهرك هذا العالم في كل مرة، بإنسانيته الهشة والمجزأة والمشروطة والقابلة للتداعي بسهولة.

إنسانية؟ يبدو أنها أكذوبة. والأفظع أنك مدرك تماما لهذا حتى في أيامك الساكنة. كنت على يقين أن العالم سيفشل عند أول اختبار له. العالم متشبع بالكره، الغضب، السخط، العنصرية والرعب..

العالم سيرمي الناس، كل الناس، في الجحيم في كل اختبار غير آبه لأسمائهم وأحلامهم وقلوبهم التي ذابت تحت النيران.

لعل البشرية في نزيف دائم وتداع مستمر منذ الأزل.

لقد نزفت الإنسانية خلال عقود طويلة، وفي حروب كثيرة، خلال حربين عالميتين وحروب بالوكالة.

تم تدمير مجتمعات كاملة ماديا، بشريا، معنويا، ثقافيا، فكريا وإيمانيا.

ثم ماذا؟ ثم لا يتعلم البشر.

قلنا مؤخرا لا بأس في عالم حيث الصراعات به محدودة. لا يمكن أن نحظى بعالم طوباوي.

لكن، يبدو أن الأمر أعقد بكثير والجرح الإنساني يحترق، يتألم ويتعفن.

لا أحد قادر على وقف إطلاق النار. المؤسسات العالمية معطلة.

بالنسبة للنظام العالمي الأولوية ليست لحماية الإنسان. كيف يكون ذلك منطقيا؟

هل فشل الإنسان في تعريف إنسانيته وترويض شياطينه؟ يبدو ذلك.

النظام العالمي الحالي هش وفاشل إنسانيا.. وعليه مراجعة كل الشعارات التي يتبناها.. عليه بمراجعة كافة دساتيره وقيمه التي قامت عليها مجتمعاته منذ عشرات السنوات..

عليه مراجعة حساباته ونظرته وتقييمه للشعوب الأخرى..

هل المكيال واحد؟ هل العدالة قابلة للتحقيق، حقا؟

هل هناك أي من العقلاء، أصحاب العقول المتوازنة، المفكرين، الفلاسفة.. من الممكن أن يشاركوا في خلق مجتمعات أفضل في مرحلة قريبة؟

كان من المفترض أننا نعيش في عالم حضاري متطور جديد، حيث الحداثة والتكنولوجيا، حيث تتوفر فيه خدمات أفضل للجميع.. حيث يتم إحلال العدالة بشكل أسلس.

آخر ما نتذكره، كنا نتحدث عن عصر السرعة، ومدن رقمية حديثة متطورة توفر خدمات جيدة وأقرب إلى الممتازة للبشر.. حتى بدأنا نهاب من ذكائنا واختراعاتنا، وبدأنا نتساءل إن كان علينا أن نخرط الذكاء الاصطناعي في مهامنا، وإداراتنا ومؤسساتنا.

بدأ العالم يتحدث عن خوف وقلق من تمدد وتفلت الذكاء الاصطناعي. كنا نريد عالما يحافظ على البيئة والمناخ، وكنا نريد مدنا أكثر سلاما.

كنا نعتقد أننا قادرون على تحديث كل الدساتير في العالم لتكون أكثر خدمة للبشرية.

اعتقدنا لوهلة، أننا بعد تجاربنا البشرية المريرة والأخطاء الفادحة التي تم ارتكابها هنا وهناك، أننا تعلمنا الدرس لو قليلا.

لكن، ماذا حصدنا؟

نظام عالمي لا يكترث لحياة الإنسان، أو لحصوله على احتياجاته الأساسية، لأحلامه، أفكاره، إبداعه، أمانيه، تطلعاته، اكتئابه، قلقه وسعادته.

فعلا، سقطنا في الهاوية بعدما كنا نعتقد أننا نعيش في عالم متقدم متطور إنسانيا وأخلاقيا وثقافيا.

حتى كلمات مثل: إنساني، أخلاقي، قيم وثقافة باتت مضحكة.. كلمات باتت تسخر الحياة من سُخفها وهشاشتها.

أي أخلاق وقيم وإنسانية؟ في أي زمان ومكان تم اختراع هذه الكلمات؟ وهل من يؤمن بها حقا؟ وهل ما زالت تناسب عالمنا اليوم؟

حتى لا تقول عني “متطرفة بالسوداوية” أنا لا أقول لا يوجد ما يُسمى بـ”الخير” مطلقا. ولا أقول إن “النور” تم سحقه في قلوب الجميع، وفي كل الأنظمة بشكل كامل. لكن، من الواضح أن الظلام أقوى ويتمدد بشكل أوسع.

من الواضح أن اللغة التي يتعامل بها النظام البشري هي: غطرسة، قوة وتدمير.. حرق كامل الكوكب لأجل تحقيق أهداف معينة.

أما من يكترث للإنسان؟ لا أحد.

من يكترث للأخلاقيات والطريق القويم؟ لا أحد.

أو لعلهم قلة، يقفون على هامش الحياة، يصرخون ولا أحد يسمع صرخاتهم.

ما قيمة الإنسان، بالنسبة للنظام العالمي؟ من الواضح ..لا شيء. بل يتم زج الإنسان في المحرقة يوميا ورميه في الجحيم هنا وهناك.

يمكنك فتح خريطة العالم، ستجد خططا مفزعة وإستراتيجيات سامّة.. فعلا جنون، كل ما يحدث جنون.

بتّ أؤمن تماما بأن هذا الكوكب جحيم كوكب آخر، وأن كل الإيمانيات والعقائد والأفكار التي وُلدت من رحم عقل الإنسان وتجربته منذ عشرات الآلاف من السنين حتى اليوم، أضحت مسمومة ولم تساعده في بناء شارع واحد. بل جل ما فعلته سممته في روحه وماله وجسده وتفاصيل أيامه. كل ما يبتكره البشر يتم استخدامه في مرحلة ما للخراب والتدمير أكثر وأكثر.

سيل وفيضان من الظلام يلتهم أرواحنا ويجردنا من حقيقتنا أمام ذواتنا. أو لعله يكشفها، في النهاية الحقيقة.. نحن ضعفاء بلا قوة ولا حيلة، بلا قدرة على تغيير الواقع. كل ما تفكر به ببؤس يكاد يزج بك نحو الهاوية. لماذا “الإنسان” مجرد رقم.. مجرد شيء.. أو لا شيء؟

قلة من يدافعون عن قيمة الإنسان حقيقة. قلة من يملكون عقلا واعيا متطورا. قلة من يريدون تحقيق العدالة، أو يكترثون لهناء أيامنا.

لكن، غالبا هذا النظام البشري الذي أُسس منذ زمن طويل على قيم متداعية، يتعامل مع الإنسان وكأن لا معنى له.

رُمي “الإنسان” على قارعة هذا الكون، وحيدا دون نجدة، دون سؤال، دون محاولة لإنقاذه.

تم زجه في السجن منذ زمن طويل، وسلبه كل شيء قبل ولادته حتى.. نفسه، حياته، أحلامه، صوته، أفكاره وإنسانيته المكبلة.

فمن ينقذ نحن “الإنسان” من كل ذاك؟

ربى عياش
إعلامية فلسطينية

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه