‎الغرباء في العقل والسوسيولوجيا العراقيه البغدادية

بقلم ‎سيف الدين ناصر تشرين2/نوفمبر 17, 2023 99

‎سيف الدين ناصر

‎ارتبط الغرباء والمقصود بهم الوافدين وليس المواطنين الأصلاء في الموروث المجتمعي العراقي وخصوصاً البغدادي ارتباطاً غريباً بل يعتبر شاذاً لم يحدث مطلقاً في جميع المجتمعات التي تضمها المدن والعواصم ذات التاريخ فبغداد على سبيل المثال بنيت في منتصف القرن السابع الميلادي وبناها الغرباء ( خلفاء بني العباس ) ومنذ تأسيسها لم يحكمها الا الغرباء فلم يحدثنا التاريخ عن والي بغدادي ولم يحدثنا التاريخ عن قائد او فاتح بغدادي بل كانت بغداد مستودعًا فكرياً وحضارياً ودينياً ولكن لم تكن رحماً يلد لنا قادة عظام فالقادة والفاتحين والغزاة والولاة والسلاطين والخلفاء كلهم من عواصم ومدن ومجتمعات أخرى فما هو سر ذلك ؟ ولماذا يعجز مجتمعاً مدنيًا اشتهر بالعلم والمعرفة عن انتاج قادة مجتمع ؟ ولماذا هذا العقم التأريخي الظالم ؟

‎لمناقشة هذه الظاهرة لابد من العودة بداية الى موضع الغريب في العقل البغدادي … يحدثنا الموروث عن الاف القصص لغرباء وفدوا الى بغداد من ديار بعيده وكان جلهم من المغامرين والعيارين والشطار والنصابين وبعد سنوات قليلة من اقامتهم في بغداد تسلقوا لمراتب عليا في الدواوين والسلطة بل كان المتحذلقين من المماليك والفرس والقوقاز والاناضول واليونان يخطط للمجيء الى بغداد ويخبر اهله انه ذاهب كي يصبح حاكماً او وجهاً وجيهاً في مدينة السلام فيبدأ حمالاً في أسواقها وينتهي والياً او شاهبندراً او كهية في البلاط ويكمن اول أسباب ذلك في تعلق العقل البغدادي بالغريب فالتاجر يعين غريباً اميناً للمخازن او دفترداراً او رئيساً للمحاسبين ويزوجه من ابنته وتنتهي القصة بان يرث هذا الغريب كل التركة … وتلك الاحلام لم تكن لتتحقق في أي عواصم أخرى فلا القاهرة ولا إسطنبول ولا باريس ولا خراسان يسمح مجتمعها لغرباء بتولي امورهم فالتعصب والانتماء لدى باقي المجتمعات اكثر رصانة واكثر قوة .

‎قصة محمد العجمي او عجم محمد كما يرويها الرواة والمؤرخين مثل ستيفن لونكريك في كتابه أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث خير دليل على ضياع قيمي ومجتمعي فريد فبعد ان كان هذا الفارسي الذي جاء لبغداد في منتصف القرن الثامن عشر كمطرب وامه تدق على الطبله وشقيقتاه ترقصان تراه بعد اقل من عشر سنين اصبح وزيراً للوالي وادى الى فتنة عصفت ببغداد وادت الى اقتتال اهلي بعد وفاة الوالي ومطالبة محمد العجمي بكرسي الولاية كونه كهية الوالي ولكن الكهية الذي سبقه إسماعيل اغا التركي طالب بأحقيته بالولاية وانقسمت بغداد لطرفين فانحاز أهالي الميدان والمهدية والقراغول والفضل والانكشارية في حامية القلعة كون قائدهم محمد أغا كان عجمياً ايضاً الى محمد العجمي بينما انحاز صوب الكرخ ( صوب عگيل ) وأهالي باب الشيخ وراس القرية والشورجه وماجاورها مع إسماعيل اغا … هذه الاحداث تصور لنا مدى تفكك المجتمع البغدادي وخلل قيمه فالاثنان غرباء والمصيبة احدهم قواداً ومالكاً لماخوراً للطرب والخمر والليالي الحمراء … .

‎قرأت سابقًا رواية تحكي عن باريس ابان القرن الثامن عشر وكيف ان احدى شخصيات الرواية تتحدث عن باريسي متعصب عشق ابنته شاب بلجيكي وتقدم لخطبتها وكيف انه اخبره انه لن يزوج ابنته الا من باريسي اصيل فأدعى الشاب انه باريسي وقال له تعال غداً لأختبرك وحينما جاء في اليوم التالي اخذه الاب الى المقبرة وقال له هذا قبر والدي وبجانبه قبر جدي وجدتي وهناك قبر والد جدي فدلني اين قبور اجدادك كي اعرف صدق باريسية اصولك … وهنا أتمنى ان يكون ممن حكموا بغداد حتى في الحاضر قد دفن اجدادهم في مدافن بغداد بل حتى الإنكليز حينما عينوا ملكًا على العراق جائوا به من مكة والطريف ان آخر المحتلين بريمر حكم بغداد وخرج منها بزوجة بغدادية تكريماً له .

‎خلاصة الحديث ان المجتمع البغدادي اما ان يكون قد تعرض للظلم من قبل المؤرخين او انه حقيقةً عقيماً لم يستطيع ان يسجل لنا أي قائد سطر في التأريخ فتوحات وامجاد تفخر بها بغداد وأهلها وكل الذين دخلوا التاريخ المعاصر كثوار هم نتاج مجتمعات أخرى اما من الجنوب والفرات الأوسط او من مدن شمال وغرب بغداد ونبقى نجتهد بالدعاء وانتظار المحرر القادم من خارج الأسوار وقد ذكر ان القائد العثماني طوپال عثمان بعد ان تمكن من فك الحصار عن بغداد ودمر جيش الفرس وقتل اكثر من ثلاثين الف مقاتل صفوي واسر بحدود ثلاثة الاف مقاتل وغنم كل مدفعية وموارد الجيش الصفوي المحاصر لبغداد كتب له دفتردار بغداد طالباً منه ان يدخل الى بغداد بالرغم من رفضه واستهجانه من مظاهر الاستعراض الا انه وافق أخيرًا فدخل عثمان الاعرج في ٢٣ تموز ١٧٣٣ بغداد بموكب بسيط دون حرس ولا مرافقين ولكن استقبله أهالي بغداد بكافة طبقاتها بطوابير تقبل قدمه وتمسح الغبار عن اقدامه كما ذكر ذلك في التاريخ …

‎لماذا كل هذا الهوان يابغداد هل لانك بعد ان سقطتي بيد المغول وتحولتي من حاضرة بني العباس وعاصمة نصف العالم الى قرية خربة ومدينة على هامش الحضارة ، هاجر اغلب وجهاءها وعلماءها واخبارها تأن بين غازي ومحتل وحصار او وباء فتاك وولاة ظلمة استقدموا عشائر واسكنوها بغداد فكان ال عگيل يسكنون الكرخ وال عبيد يسكنون الاعظمية وفرسانهم في خدمة ولي النعمة الباشا الظالم لاسكات أي تمرد عشائري وفرض الفرمانات الهمايونية جوراً على أهلها ولنا ان نسترجع هذا الماضي ونسقطه على حاضر المدينة فهل من حكامها احداً نجد لجده قبراً في مدافن بغداد ام احفاد محمد العجمي وإسماعيل اغا سكنوا القلعة والبغادة اضحوا خارج الأسوار …

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه