معاداة السامية وتجريم التطبيع.. قاموسان مفخخان في تونس

بقلم حكيم مرزوقي تشرين2/نوفمبر 17, 2023 66

معاداة السامية وتجريم التطبيع.. قاموسان مفخخان في تونس


"معاداة السامية" مسمار جحا الذي تستخدمه إسرائيل لتعليق ونشر وتسميم كل العلاقات التي تراها معادية لليهود وتنهي مستقبل شخصيات سياسية في العالم لمجرد أنهم انتقدوا سياساتها الاستيطانية وآزروا الحق الفلسطيني.

الغضب التونسي ليس استثناء عربيا
ما يحدث في غزة من انتقام دموي تمثل في القصف والتدمير والتهجير بقصد الانتقام للعملية التي نفذها مقاتلو حماس داخل المستوطنات الإسرائيلية يوم السابع من أكتوبر الماضي، من شأنه أن يلهب المشاعر ويؤججها ضد الدولة العبرية في العالمين العربي والإسلامي، لكن ما الذي على الدولة الوطنية فعله إزاء هذا الغليان الجماهيري الطافح؟

وفي خضم هذا الغضب الشعبي العام، تحدث، بطبيعة الحال، بعض “التجاوزات” التي لها علاقة بمنسوب المشاعر المتفاعلة مع هول ما يحدث، سواء كان على مستوى التحركات الشعبية ذات الطابع العفوي المشحون بالرغبة في الرد والانتقام لضحايا العدوان، أو على مستوى المؤسسات الرسمية للدولة وما يصدر عنها من بيانات وتصريحات، بالإضافة إلى مبادرات القوى الحزبية والنقابية وباقي قوى المجتمع المدني.

يبدو كل هذا طبيعيا ومتوقعا أمام حجم المأساة التي هزت وجدان العالم، فما بالك بالمنطقة العربية التي تمثل فيها القضية الفلسطينية محورا أساسيا لصراع فاق عمره ثلاثة أرباع القرن، لكن ماذا عن “الانزلاقات المقصودة وغير المقصودة”، والتي قد تحدث في أتون ما يستجد من أحداث وتطورات.

الخطاب المتوتر لا يفيد ولا يستفيد، لذلك فمن الأجدر النزوع نحو الاعتدال والعقلانية لأن ما ينبغي أن يخوضه التونسيون واقعا وحقيقة هو صراعهم مع واقع معيشي صعب

وفي هذا الإطار، فإنه يحق للجماهير ما لا يحق للحكومات في التعبير عن مشاعرها.

وإذا كان الشارع يتحرك مدججا بالهتافات والشعارات، وحتى الشتائم والسباب، فإن على حكومة الدولة الوطنية التي تلتصق وتهتم لهموم شعبها، أن تكون ذات رأس باردة، وتنظر بحذر إلى ما يمكن أن ينجر عليه من مواقف وتصريحات “خارج السياق”.. وما أكثر وأدق اليوم، ما يحسب تحت يافطة “خارج السياق”، وسط حالة تصيد إعلامي وتأويل سياسي لكل مسؤول في موقع القرار.

الغضب التونسي من ممارسات الاستيطان الإسرائيلي ليس استثناء عربيا، فلقد ولت أزمنة المزايدات القومية التي أضرت بالقضية أكثر مما نفعتها، لكن القضية الفلسطينية ارتبطت تاريخيا، وبصفة عضوية بنضالات سياسية ونقابية منذ فجر دولة الاستقلال التي احتضنت في ما بعد منظمة التحرير، وشكلت إحدى أهم عواصم القرار العربي المشترك.

وبناء على ما تقدم، فإن قوة الاندفاع التونسي حيال المسألة الفلسطينية تتأتى من هذه الخصوصية، والحساسية الفائقة، بالإضافة إلى جانب سيكولوجي نابع من شارع مأزوم ومتخم بالهموم المعيشية والأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي من شأنها أن تبحث لها عن متنفس – ولو وهميا – عبر الغضب ولا شيء غير الغضب.

ولأن التوتر سيد الموقف الإقليمي والدولي هذه الأيام، فإن قاموسين اثنين يُفتحان على مصراعيهما في كل من إسرائيل وبعض داعميها الغربيين من جهة، والكثير من الدول العربية ومن بينها تونس، من جهة أخرى، وهما معاداة السامية والتطبيع.

ينظر الطرفان إلى هذين القاموسين ويقرآن منهما بحرص وتأنّ، وحذر شديد، وذلك لكي يتصيد الإسرائيلي خصمه وغريمه العربي في أي تصريح يلمح، ولو من بعيد إلى “معاداة السامية”، وبالمقابل، يتصيد العربي مواطنه العربي في أي عبارة أو سلوك أو تصريح يشي برغبة لديه في ربط علاقة طبيعية مع دولة إسرائيل.

“معاداة السامية” هي مسمار جحا الذي تستخدمه إسرائيل لتعليق ونشر وتسميم كل العلاقات التي تراها معادية لليهود، وعادة ما تأخذ الكثير منها على محمل الشبهة فأنهت مستقبل شخصيات سياسية في العالم لمجرد أنهم انتقدوا سياساتها الاستيطانية أو آزروا الحق الفلسطيني.

هذا على مستوى علاقاتها مع قادة العالم، فما بالك بالمسؤولين العرب الذين لا يمكن لهم أن يخرجوا من جلودهم ويشتغلوا ضد إرادة شعوبهم فيجدفون ضد التاريخ؟

الغضب التونسي من ممارسات الاستيطان الإسرائيلي ليس استثناء عربيا، فلقد ولت أزمنة المزايدات القومية التي أضرت بالقضية أكثر مما نفعتها

أما الوظيفة الأخطر لتهمة “معاداة السامية” فهي توريط أي شخصية ذات شأن سياسي أو اقتصادي أو حتى فني ورياضي، واستجرارها نحو مواقف تعبر فيها حتى عن مجرد استيائها وامتعاضها من سلوكها الاستفزازي.. ساعتها، “يقع المحظور” وتصبح هذه الشخصية في دائرة الشك والاتهام.

والمشكلة أن معاداة السامية سمعة تلصق ببلد أو شخص وليست حكما لمحكمة يستند إلى إثباتات، إذ يكفي أن تبدأ وسائل إعلام بتداول الأمر على نحو واسع، حتى يصبح الأمر وكأنه حقيقة، مما يقتضي الكثير من التريث في إصدار الأحكام والتصريحات.. وكم من موقف انفعالي غاضب أدى بصاحبه إلى خسارات عديدة يصعب جبرها، خصوصا في البلدان التي يضعف اقتصادها الهش من استقلالية قرارها.

إنها الحقيقة التي لا ينكرها إلا من لا يؤمن بأن السياسة هي فن الممكن، وليس “ما يجب أن يكون”.

ومن نكد الدنيا على المرء في عالمنا العربي أن تتفرغ بعض الجهات الرسمية وشبه الرسمية في تونس إلى ما يشبه محكمة تفتيش جديدة اسمها “محاربة التطبيع”، ويتحمس لها الكثير من أغرار السياسة ظنا منهم أنها شكل من أشكال مقاومة الاحتلال، في حين أنها تزيد من عزلة الشعب الفلسطيني وتقوّي شوكة الاستيطان.

وبصرف النظر إن كان هذا الأمر سيمرر كقانون يصادق عليه البرلمان المرتبك في البلاد، فإن الكثيرين من السياسيين والحقوقيين ينصحون بعدم الانجرار إلى هذا الشطط السياسي حفاظا على مصالح البلاد وعلاقاتها في الخارج كما يرون أن التصعيد اللفظي على شاكلة التهديد بالإبادة، من شأنه أن يزيد الأمور تعقيدا في وقت حرج وحساس.

وفي هذا الصدد، يقول السياسي التونسي محسن مرزوق “السؤال الأساسي هو ماذا نريد؟ دعم القضية الفلسطينية وتحرير الأرض وتحقيق التقدم الذي سيجعل لنا كلمة مسموعة في العالم أو الانغلاق على أنفسنا والغرق في خطاب داخلي هامشي؟”.

الخطاب المتوتر لا يفيد ولا يستفيد، لذلك فمن الأجدر النزوع نحو الاعتدال والعقلانية لأن ما ينبغي أن يخوضه التونسيون واقعا وحقيقة هو صراعهم مع واقع معيشي صعب، أما المسألة الفلسطينية فلقد دعموها بما تستحقه من إمكانيات وعاطفة ومشاعر.. وكذلك شهداء في ساحات كثيرة ومواقف بطولية مشرفة.

حكيم مرزوقي
كاتب تونسي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه