في غزة، البنايات لا تعمر طويلا

بقلم فاضل المناصفة تشرين2/نوفمبر 17, 2023 105

في غزة، البنايات لا تعمر طويلا


ملايين قطر ولا جهود مصر لم تنجح في شراء هدنة طويلة الأمد ولم تشفع التجارب السابقة في أن تكون حماس أكثر وعيا وشعورا بالمسؤولية تجاه شعب دفع فاتورة مآسي الحروب مرارا.

كان هذا بيتي
في عز الحرب وقبل أن تضع أوزارها قدم المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أرقاما أولية تكشف حجم الدمار الذي خلفته المواجهة الأخيرة بين حركة حماس والاحتلال الإسرائيلي، وحسب المصدر فإن 50 في المئة من البنايات في مدينة غزة قد دمرت بالكامل، فيما قارب حجم الخسائر المادية 2 مليار دولار. وبطبيعة الحال فإن الغرض من تقديم مثل هذه الأرقام هو التماس الدعم المالي وطرح ملف الإعمار بالموازاة مع القمة العربية الإسلامية التي عقدت في الرياض.

قبل هذه الحرب الأخيرة بأربعة أشهر كان العشرات من متضرري حرب 2014 قد نظموا وقفة احتجاجية أمام مبنى وكالة الأونروا للمطالبة بالتعويضات التي لم يحصلوا عليها رغم مرور تسع سنوات على تلك الحرب، وكانت اللجنة العليا للمتضررين من عدوان 2014 قد طالبت قبل أقل من شهر على اندلاع هذه الحرب مؤتمر المانحين في نيويورك، والذي انعقد على هامش اجتماعات الدورة الـ78 للجمعية العامة للأمم المتحدة، وأحصت اللجنة 7860 أسرة لم تستلم أي تعويض من وكالة الغوث، و9008 أسرة استلمت دفعة واحدة فقط، في حين أن 42000 أسرة استلمت من 100 إلى 1000 دولار وهي كلفة لا تعكس بأي شكل من الأشكال الكلفة الحقيقية لحجم الضرر الذي لحق ببيوتهم وممتلكاتهم.

بين التعويض الذي ترعاه الأونروا وإعادة الإعمار الذي تتولاه قطر ومصر، لا يتغير حال الغزيين كثيرا، ولا يعمر الأسمنت الذي يبني بيوتهم طويلا أمام ضراوة الحروب. الملايين من الدولارات صرفت على مدار سنوات من المواجهات وملايين أخرى ستصرف، لكن غزة لا تتغير ولا تتطور إذ إن القائمين على شؤونها لا يرون لها مستقبلا بعيدا عن ألسنة النار وأعمدة الدخان.

لا يمكن أن نتصور وضعا مغايرا لغزة ما لم يرافق هذه الحرب تغيّر سياسي كبير ينتهي إما برحيل حماس عن حكم غزة، أو إعادة تحريك عملية السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين

خسائر “سيف القدس” 2021 قدرت بنصف مليار دولار، وحصلت على التمويل الكافي من قطر ومصر، ومع ذلك سارت جهود الإعمار بوتيرة بطيئة، إلى أن أدركتها هذه المواجهة الجديدة، وهي كلفة تتعدى بكثير تكلفة الحروب الست مجتمعة التي شهدها القطاع منذ أن جاءت حماس للحكم.

لم تنجح ملايين قطر ولا جهود مصر الدبلوماسية في شراء هدنة طويلة الأمد، ولم تشفع الدروس والتجارب السابقة في أن تكون حماس أكثر وعيا وشعورا بالمسؤولية تجاه شعب دفع فاتورة مآسي الحروب مرارا، وقدم بما فيه الكفاية من التضحيات وترك وحيدا ليواجه واقعه المر بين مطرقة الحصار الاقتصادي وسندان الأجندة الإيرانية.

وسط الحروب المتكررة والحصار المستمر منذ 16 عاما، أصبح الوضع الإنساني في قطاع غزة شديد الخطورة، إلى درجة أن حوالي 50 في المئة من الأطفال يعانون من الأمراض المرتبطة بالمياه. وفشلت كل الجهود السابقة في إخراج غزة من عزلتها وفي تصحيح المسار الخاطئ الذي قاد إلى تدهور الأحوال المعيشية والأوضاع الصحية، واختار العديد ممن توفرت لهم الفرصة الهجرة والهروب من جحيم المواجهات التي تفرض نفسها، وتعيدهم كل مرة إلى نقطة الصفر. واستهلكت عمليات إعادة الإعمار وتعويض الأسر ما كان بإمكانه أن يوجه لتحسين الخدمة الصحية وشبكة الصرف الصحي ومعدل استهلاك الكهرباء في اليوم.

تأكد فشل المقاربة الإسرائيلية المبنية على أساس “الاقتصاد مقابل الأمن”، وفشلت معها المقاربة القطرية والمصرية المبنية على تثبيت الهدنة وإعادة إعمار غزة، وبقيت حماس تتخبط في فلك الأجندة الإيرانية وتعيد استنساخ التجارب التي لم تكتف بالعبث بحاضر الغزيين بل عبثت بمستقبلهم أيضا.

لنكن واقعيين، فإنه لا يمكن أن نتصور وضعا مغايرا لغزة ما لم يرافق هذه الحرب تغيّر سياسي كبير ينتهي إما برحيل حماس عن حكم غزة، أو إعادة تحريك عملية السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين. بغير ذلك لن تتمكن إسرائيل من ضمان أمنها رغم كل ما ترصده من أموال وما تمتلكه من تكنولوجيا لأجل ذلك، ولن ينعم الغزيون بالاستقرار ولن يتمكنوا من إنهاء الإعمار حتى تأتي حرب أخرى وتحول كل شيء إلى حطام.

فاضل المناصفة
كاتب فلسطيني

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه