أكثر من مشهد متعاطف مع غزة في بلد خليجي

بقلم د. هيثم الزبيدي تشرين2/نوفمبر 27, 2023 87

أكثر من مشهد متعاطف مع غزة في بلد خليجي


الموسم الثاني من الربيع العربي مرشح للانطلاق كنتيجة لما يحدث في غزة. العالم العربي والإسلامي شاهد عجزه بعينيه عندما لم يتمكن من إيقاف آلة الحرب الإسرائيلية ومنعها من ارتكاب المجازر.
مقدمة لربيع عربي في موسمه الثاني
الصورة التي تم تداولها على منصة إكس لأطفال في مدرسة خليجية يرتدون ملابس عسكرية ويحملون بنادق خشبية مثيرة للقلق. تحرك البعض سريعا للاستثمار في عملية “طوفان الأقصى”/عملية تدمير غزة، ربما أسرع ممّا كان متوقعا. استثمار يجمع بين فورة رأت في “طوفان الأقصى” انتصارا تحوّلت إلى إحباط أمام مشهد التدمير الشامل لقطاع غزة في عملية انتقام إسرائيلية غير مسبوقة. ثمة أطراف من مصلحتها إعادة عقارب الساعة إلى الوراء 23 سنة، وإطلاق إعصار دمار جديد يضرب المنطقة.

في يوليو 2000، اجتمع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات برئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك في منتجع كامب ديفيد برعاية الرئيس الأميركي بيل كلينتون. لأسبوعين، لم يتمكن المجتمعون من تحريك مسار استكمال اتفاقية أوسلو للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين التي قامت على أساسها السلطة الفلسطينية. ساد الإحباط الأوساط الفلسطينية، ثم جاءت زيارة أرييل شارون الاستعراضية إلى الأقصى في سبتمبر 2000 لتطلق شرارة العنف. بعد يومين، قتل الجنود الإسرائيليون الطفل الفلسطيني محمد الدرة في تبادل لإطلاق النار مع قوات الأمن الفلسطينية عند مفترق شارع صلاح الدين المؤدي إلى مستعمرة نتساريم الإسرائيلية في غزة (لم يكن الإسرائيليون قد انسحبوا من القطاع حينها). زيارة شارون، الذي لم يكن يحتل منصبا رسميا في حينها، كان يمكن أن تمرّ لولا الاحتقان الذي سبقها بعودة عرفات خالي اليد من كامب ديفيد. لكن ما حوّل الزيارة إلى الانتفاضة الثانية، أو “انتفاضة الأقصى”، هي تلك المشاهد المؤلمة لمقتل الطفل محمد الدرة.

◙ كل من يحاول اليوم تبرير صورة لأطفال خليجيين يرتدون زيا عسكريا وأسلحة خشبية بأنه من فئة التمثيل أو التعاطف، أو القول بأنه من باب “وأعدّوا لهم”، لا يدرك خطورة أن تكون نتائج دمار غزة أكبر خارجها

كانت كاميرا التلفزيون الفرنسي قد التقطت المشهد للطفل وأبيه جمال. لم تجدِ توسّلات الأب وبكاء الطفل في إيقاف إطلاق النار. قتل الطفل وجرح الأب. وانتشرت اللقطات المأساوية لتمنح “انتفاضة الأقصى” أيقونة بصرية. بثت قنوات التلفزيون في العالم المشهد. لكن فضائية مثل الجزيرة لم تتوقف لأيام عن بث اللقطات. لا نريد الحكم على دوافع الجزيرة من تكرار البث مرات ومرات، لكن المؤكد أن العالم العربي يعيش حريقا مستمرا من يومها.

برّر زعيم القاعدة أسامة بن لادن “غزوة نيويورك” بالانتفاضة الثانية. برّر الرئيس الأميركي جورج بوش غزو أفغانستان والعراق بأحداث 11 سبتمبر. استمرت عمليات التبرير وصولا إلى استبدال الاحتلال الأميركي للعراق باحتلال إيراني، وتثبيت سيطرة حزب الله على لبنان بعد حرب 2006، ثم فوضى الربيع العربي التي أشعلت الحروب الأهلية في عدد من البلدان العربية، وازدهار الإرهاب وصولا إلى اجتياح داعش للعراق وسوريا، وعودة السيطرة الإيرانية على الشمال الغربي للعراق – ومنه إلى البحر المتوسط – بواسطة الحشد الشعبي، وتمكن الحوثي من السيطرة على اليمن تحت شعار “الموت لأميركا، الموت لإسرائيل”، وحروب الاستبدال الإيرانية في غزة التي تشتعل بإطلاق الصواريخ كلما تعرض الملف النووي الإيراني لضغوط غربية، وصولا إلى يومنا هذا: دمار غزة.

لا شك أن هناك محطات كثيرة أصغر لم يتم ذكرها. القضية الفلسطينية، بكل ما تعنيه من أثر وجداني في نفوس العرب والمسلمين والإنسانية، ومن حقوق ضائعة لشعب في أرضه، إلا أنها أيضا الحجة المقدمة لتبرير قائمة طويلة من الكوارث والأخطاء التي تواجه منطقتنا منذ عقود. إنها كوارث وأخطاء للغرب وإسرائيل اليد فيها بنسبة كبيرة. لكن الأثر الأكبر كان ويبقى في منطقتنا. يكفي القول الآن، إن الموسم الثاني من الربيع العربي مرشح للانطلاق كنتيجة لما يحدث في غزة. العالم العربي والإسلامي شاهد عجزه بعينيه عندما لم يتمكن من إيقاف آلة الحرب الإسرائيلية ومنعها من ارتكاب المجازر بحق الفلسطينيين.

حرب غزة الجارية هي حرب بين الإسرائيليين والفلسطينيين، أو للدقة بين الجيش الإسرائيلي والمدنيين في غزة. كل الدواعش وكل الميليشيات الإيرانية المنتشرة في شرق العالم العربي، وكل أصحاب الأصوات العالية في عالمنا العربي وخارجه، بعيدون عن المواجهة العسكرية. لا يمكن لحزب الله أو الحوثي أن يخدعا أحد بإطلاق صاروخ كاتيوشا من جنوب لبنان أو مسيّرة من ساحل اليمن. الدمار، كل الدمار، تم على رأس أهل غزة. الدواعش، وقبلهم القاعدة، والميليشيات الولائية، كانوا السبب في تدمير المنطقة بحجة فلسطين. واليوم، هم وأمثالهم، يستثمرون مرة أخرى بمآسي الفلسطينيين، ليحققوا غاياتهم على حساب فلسطين والمنطقة، ولصالح الحركات الإسلامية وإيران.

لا نعرف إن كانت القاعدة قد جندت منفذي “غزوة نيويورك” قبل الانتفاضة الثانية أم بعدها. كانوا خليجيين بغالبهم. لكن صور الانتفاضة، وفي جزء كبير منها تلك المشاهد للطفل محمد الدرة، لا شك ساهمت في حسم قرارهم العقلي في الذهاب بعيدا على طريق الإرهاب وإطلاق حرب على بلدانهم وعلى الغرب لا تزال مستمرة إلى حد الآن.

لا زال من المبكر الحسم فيما ستؤول إليه الأمور في غزة. من الصعب القول إن إسرائيل قد أتمت انتقامها. والهدنة الحالية أساسها الضغوط التي تتعرض لها الحكومة الإسرائيلية بسبب المحتجزين أكثر منها استجابة لصوت إنساني في الغرب. لكن حرب غزة تحمل كل مفردات التحريض في المنطقة: تحريض يبدأ بإسرائيل، لكن نعرف جيدا أين سينتهي.

◙ القضية الفلسطينية بكل ما تعنيه من أثر وجداني في نفوس العرب والمسلمين والإنسانية ومن حقوق ضائعة لشعب في أرضه إلا أنها أيضا الحجة المقدمة لتبرير قائمة طويلة من الكوارث والأخطاء

ليس من قبيل المصادفة أن توجه أسهم الإسلاميين إلى الدول العربية المستقرة واتهامها بأنها خذلت الفلسطينيين. هذه الدول تبدو في دائرة اللوم أكثر من إيران وحزب الله. هي نفس الدول التي استطاعت الصمود أمام موجة الربيع العربي الأولى، وتمكّنت من التأثير على الدول المتضررة بالاضطرابات والحروب الأهلية لمساعدتها على استعادة الاستقرار. اتهامات التطبيع سبقت اتهامات التخاذل. وأيّ تصريحات أو مؤتمرات تضامن أو قمم تعقدها هذه الدول، بل وقوافل المساعدات وأموال الدعم، لن تغير من وجهة التحريض عليها أو شدته.

لدينا الآن خبرة الاستقراء لما يمكن أن يحدث في الربيع العربي في موسمه الثاني. لقد شهدنا ما يكفي في الموسم الأول. التحريض، من باب التعاطف أولا مع الفلسطينيين وقضيتهم، ومن خلال الضغط النفسي على عقول الشباب العرب الغاضبين ونفوسهم مما يحدث في غزة، هما مقدمة لفعل أكبر يستهدف دولا بعينها. الهدنة، أو وقف إطلاق النار في غزة، مقدمة لاشتعال النيران في أماكن أخرى.

كل من يحاول اليوم تبرير صورة لأطفال خليجيين يرتدون زيا عسكريا وأسلحة خشبية بأنه من فئة التمثيل أو التعاطف، أو القول بأنه من باب “وأعدّوا لهم”، لا يدرك خطورة أن تكون نتائج دمار غزة أكبر خارجها، وأن تدفع دول عربية من الضحايا أضعافا مضاعفة عمّن سقط في قصف غزة. عدّاد ضحايا الربيع العربي لا تقارن أرقامه بأرقام عدّاد ضحايا الانتفاضة الثانية. من يقف خلف هذا التحريض يدرك هذا جيدا لأنه سبق له وأن جربه. أما الذين لا يذكرون حتى مأساة محمد الدرة أو يعرفون بوجودها بحكم تقادمها، فنقول لهم: قلّبوا صفحات تاريخ من يبيع ويشتري بمآسي الفلسطينيين.

د. هيثم الزبيدي

كاتب‭ ‬من‭ ‬العراق‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬لندن

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه