ثالوث تونس المعطل

بقلم الحبيب مباركي تشرين2/نوفمبر 28, 2023 75

ثالوث تونس المعطل


تونس تحتاج إلى صيغة تكاملية تعيد تنشيط ثالوثها المعطل ليعود الإنتاج إلى سالف نشاطه والقيام بدوره. لتحقيق ذلك لا بد من الاقتداء بتجارب مماثلة والبناء عليها.

معضلة يواجهها المواطن التونسي كل يوم
تحتاج بلدان العالم، وخصوصا تلك التي راكمت تجارب اقتصادية محترمة، بين الحين والآخر إلى مراجعة المعايير المحددة لقياس مؤشر التنمية الذي بلغته في ضوء البرامج التنموية المرسومة والمخططات الموضوعة قيد التنفيذ. ومن المؤشرات الأكثر دلالة يشير الخبراء إلى ثالوث مهم يتحكم في مفاصل الاقتصاد ويكون المحرّك الأساس لاشتغاله سواء بالسلب أو الإيجاب. هذا الثالوث يلخصه الخبراء في ثلاثة قطاعات حيوية هي الصحة والتعليم والنقل.

في تونس التي ينشد اقتصادها التعافي والعودة إلى النمو لا مناص أمام الفاعلين في الدولة من إعادة تحريك القطاعات الحيوية. في جرد إحصائي ومعاينة ميدانية لحركة النقل اليومي في تونس العاصمة، وما يكابده المواطنون من مشقة وصعوبات لبلوغ أماكن عملهم جراء بطء وسائل النقل أو انعدامها أحيانا والتوقيت المتضارب لأغلبها، شبكة سكك الحديد التي أنشئت في تونس أواخر الثمانينات، رغم الضغط الكبير الذي تخففه على وسائل النقل الأخرى، تكاد تفقد كل أهليتها لحمل الآلاف من المتنقلين يوميا سواء للدراسة أو للعمل أو لأمور أخرى، وأسطول النقل على الطرقات من الحافلات التي تناقص عددها إلى النصف بات غير قادر هو الآخر على الانتظام، وسائل النقل الخاص التي لم تعد تشتغل بكيفية تستجيب للطلب المتزايد للسكان، كل هذه العوائق تضع قطاع النقل أمام معضلة كبرى وحده المواطن التونسي من يعيش فصولها.

الأزمة تنتقل تدريجيا إلى قطاع لا يقل أهمية عن النقل ألا وهو قطاع الصحة العمومية، الذي فقد كل مظاهر الصحة في تونس التي يحلم أبناؤها بتوفر الحد الأدنى من العلاج. قطاع منهك يوحي بأزمة حقيقية في الموارد والكادر الطبي الذي رضخ أغلب المنتسبين إليه إلى إغراءات الهجرة مرغمين. عند دخول أحد المراكز الطبية في تونس يعترضك صوت أنين المرضى بالعشرات بانتظار قدوم الطبيب الذي يعمل في ظروف أقل ما يمكن وصفها بكونها صعبة إلى أبعد الحدود. الدواء الذي كان يمرّر للناس بعد عرضهم على الطبيب أصبح نادرا ويصعب الحصول عليه، حتى لذوي الأمراض المزمنة من كبار السن والشيوخ الذين يضطرون إلى شراء ما يلزمهم من دواء على حسابهم الخاص. ورغم أن تونس تنتج من الأدوية ما يغطي الحاجيات الأساسية لمواطنيها، لكن هذا القطاع طالته آلة التخريب هو الآخر من لوبيات الفساد والمحتكرين والسماسرة.

◙ ثالوث مهم يتحكم في مفاصل الاقتصاد ويكون المحرّك الأساس لاشتغاله سواء بالسلب أو الإيجاب. هذا الثالوث يلخصه الخبراء في ثلاثة قطاعات حيوية هي الصحة والتعليم والنقل

أبلغ رسالة في هذا المستوى تلك التي توعد فيها الرئيس التونسي قيس سعيد خلال زيارة مفاجئة إلى مقر الشركة التونسية للصناعات الصيدلية قبل أشهر، وذلك بمحاسبة المتلاعبين بقطاع الأدوية قائلا “هناك مجرمون يريدون السيطرة على السوق.. هي حرب تحرير وطني ولا بد من تحرير تونس من أدرانها.. اللوبيات التي تعبث بمصلحة الشعب ستدفع الثمن”.

المرور من النقل إلى الصحة يكون عبر رسالة التعليم التي فقدت هي الأخرى أهليتها وباتت تنذر بمرحلة صعبة يعيشها هذا القطاع الحيوي الذي يقف على مشارف الانهيار. المدرسة العمومية التي كانت منارة للعلم وأنجبت الكثير من الشخصيات تعيش اليوم حالة ترهل وتغيب فيها السبل لتخريج أجيال نافعة. في الحقيقة ملف التعليم يصعب اختصاره في المدرسة العمومية أو الخاصة لأن عوامل عديدة متداخلة اجتمعت على ضرب هذا القطاع من أجل المصالح الضيقة للوبيات الفساد والمتاجرين بأحلام الناس. لكن ما يجب التأكيد عليه هو مشروع الإصلاح الذي أخذت الدولة على عاتقها القيام به ووضعت في ذلك استشارة وطنية لتشريك الجميع في برنامج الإصلاح الذي يشرف عليه رئيس الجمهورية بنفسه.

هنا لا بد من التذكير بأهمية أن يكون هذا المشروع متكاملا ويبدأ من النقطة الصفر. معنى ذلك أن الإصلاح يجب ألا يركز فقط على الإخلالات والمشاكل الظاهرية التي يعاني منها القطاع. أزمة التعليم لا يمكن حصرها في البرامج المطبقة وأزمة البنية المترهلة للمؤسسات والإشكاليات التمويلية للوزارة وغيرها الكثير، الأزمة أعمق بكثير من أن تلخص في نقاط يتوجب المرور عليها مع كل حكومة ومع كل وزير يتولى الإشراف على هذه الوزارة الحيوية. النيّة الحقيقية لإنجاح هذا المشروع يكون محورها التلميذ والمدرس أولا وأخيرا وما يدور في فلكهما من أساسيات للتكوين الجيد والإصلاح والمتابعة والإرشاد لتخريج جيل نافع، وإلا فإن الرسالة تكون منقوصة في بعدها الأقصى ومنوالها الذي تنشده.

تونس تحتاج إلى صيغة تعيد تنشيط ثالوثها المعطل ليعود الإنتاج إلى سالف نشاطه وتتحقق مصلحة البلد الأسمى، ولكي يعود هذا الثالوث المعطل إلى القيام بدوره الفعال لا بد من الاقتداء بتجارب مماثلة لأخذها بعين الاعتبار والبناء عليها… هناك دول راكمت من التجارب الشيء الكثير وانطلق فيها قطاع التغيير من النقطة الصفر. الإرادة الحقيقية للإصلاح متوفرة، فقط حرفة “المعلّم” وصنعته هي ما يصنع الحدث.

الحبيب مباركي
كاتب تونسي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه